المصرى اليوم
                   تاريخ العدد       السبت   ٥   ابريل   ٢٠٠٨     عدد    ١٣٩٢  
ابحث
English   الرجوع لعدد اليوم
 أعداد سابقة  

  الآنتقال الى

المواضيع الرئيسية
الرئيسية 
رسالة من المحرر 
قضايا ساخنـــــة  
اخبــار الوطن  
رياضــــــــــــة  
اقتصــــــــــاد  
مساحـــــة رأى  
حوادث و قضايا  
اخبــــار العالم  
حوار  
سينما  
السكوت ممنوع  
زى النهارده  
فنون  
أخيرة  
أعمدة العدد
  خط أحــــــــمر
  ٧ ايام
  خارج النص
  صوت وصورة
  مشاغبات
  يوم ويوم
  أراء



الرئيسية | مساحـــــة رأى
اطبع الصفحة  ارسل لصديق  اضافة تعليق


الأكل بالدور

  بقلم   سعيد الشحات    ٥/ ٤/ ٢٠٠٨

يحمل في يده حقيبة مدرسية رثة، وملابسه ليست أكثر حالاً من حقيبته، يقف الطفل أمام المخبز في منطقة شبرا الخيمة، عيناه زائغتان، تحومان علي صيد لابد أن يأتيه، هو يعرف هدفه، لكن لا أحد يلتفت إليه، وبينما يقضي العابرون إلي المخبز احتياجاتهم، يقترب الطفل من «إسلام» ابن عمره، بعد أن شاهده يشتري «قرصتين» فينو، يبتعد إسلام قليلاً عن المخبز،

ويبدأ في تسليته بأكل «القرصتين»، لكنه يشعر بمن يسير وراءه، هو الطفل الذي ظل ينتظر شيئاً ما أمام المخبز، استدار إسلام إلي الطفل يسأله عن سبب تتبعه، رد: «نفسي في رغيف فينو من اللي معاك»، سخر إسلام: «امشي العب بعيد»، انفجر الطفل في البكاء متوسلاً: «اديني رغيف ربنا يخليك».

إسلام طفل في الرابعة عشرة من عمره، يذهب ثلاث مرات في الأسبوع إلي نادي إنبي للتدريب علي كرة القدم، واعتاد شراء «الفينو» في طريق عودته إلي البيت، ورغم أن تصرف الطفل يبدو عادياً، ومن الممكن أن يصادفه،

 كما يصادفنا كثيراً، فإن ذكاء إسلام الفطري قاده إلي سؤال الطفل: «انت عايز الرغيف ليه»، أجابه الطفل في انكسار بالغ: «لو قلت لك الحقيقة هتديني رغيف»، وبعد أن رد إسلام بالموافقة، قال الطفل: «أنا دوري في البيت مش النهارده في الأكل»، سأله إسلام: «يعني إيه دورك مش النهارده، انتوا بتاكلوا بالدور»، زاد الطفل في بكائه،

وهو يقول: «احنا ٦ إخوات، ومفيش أكل لنا كل يوم، وأبويا قسمنا نصين، نص ياكل في البيت في يوم، والنص التاني ياكل بره، وأنا النهارده من النص اللي لازم ياكل بره»، ترك إسلام خبزه أو تسليته إلي الطفل، وعاد إلي البيت يحكي لوالده كل الحكاية، والحكاية نقلها الأب إلي أخي زميله في العمل، حتي تجد طريقها للنشر بواسطتي، وأنا أكتبها كما سمعتها بالضبط.

المؤكد أن مثل هذه الحكايات وأفدح منها يتكرر كل يوم، ولا تخلو مثلاً صحيفة يومية من ذكرها، حتي بتنا نسمعها أو نحكيها في مجالسنا بدم بارد، وكأن الحياة لا تسير دونها، وفور تناولها ننقل ضبطها علي رادار معاناة الفقراء والمحتاجين، ونتحدث عن السياسات البالية للحكومة التي أوصلت آباء لاتباع نظام «الأكل بالدور» مع أولادهم،

ويتمنون بذلك الموت قبل الحياة، ثم نجد من يتحدث عن غد مشرق لأطفالنا، «إسلام» لم يصدق كما يقول الأب، أن في مصر مثل هذه الحكايات، والعذر له بحكم عمره، لكن لا أحد يعرف كم سيكون عمق ما حدث معه، وكم سيؤثر فيه حين يرسم طريقه للمستقبل، المستقبل الذي يبشر به زمرة تحكمنا، ولا هم لها سوي المزيد من خدمة الأثرياء، أما الفقراء فيكفيهم الجنة جزاء ابتلائهم بالدنيا.

«إسلام» أعطي خبزه للطفل الذي قد ينضم بفضل سياسة والده، الناتجة عن سياسة الحكومة إلي أطفال الشوارع، حتي يضمن طعامه يومياً، أو قد نجده في طابور الخارجين علي القانون، إما بالاندماج في عالم اللصوصية، أو بالاندماج في جماعات التطرف التي يغذيها الفقراء والمحتاجون واليائسون من الدنيا وما فيها، أما الأب فربما نراه بطلاً جديداً لقصة «البؤساء» للأديب الفرنسي الراحل فيكتور هوجو والتي دارت في القرن الـ١٩ حول محاكمة بطلها لأنه سرق «رغيفاً» حتي يأكله.

والمفارقة أن كل هذا يحدث، في وطن تذهب ثرواته لقلة معدودة، تدخل الملايين في حساباتها كل يوم، وبعد أن ضمنت الثروة التفتت إلي حمايتها بتبوؤ السلطة، وتسكين أتباعها فيها لحمايتها، خذ مثلاً، أحمد عز نموذجاً وغيره وغيره، ويحدث هذا في وطن يسعي وزير تجارته وصناعته رشيد محمد رشيد إلي ضبط أسعار الحديد والأسمنت،

 والسلع الغذائية، فيأتي الرد في المزيد من ارتفاع الأسعار، فتبدو قرارات الحكومة «فسوخة»، وتبدو الحكومة نفسها كالرجل الواقف في ميدان عام، ويضربه العابرون علي «قفاه» علامة علي جواز مرورهم، هي لم تعد لعبة «المصارعة» بين ندين متكافئين، ولم تعد حتي لعبة زواج الثروة بالسلطة، فهذا الزواج موجود في أعتي الدول الرأسمالية، لكن تحكمه قوانين لحماية احتياجات المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية،

وتحكمه قوانين لحماية الفقراء في المأكل والملبس والرعاية الصحية والنفسية، وتحكمه الطموحات الفردية المبنية علي القوانين، والتفوق في تحصيل العلم، وليس من بينها البحث عما يأخذ رشوة من أجل الحصول علي وظيفة، كما يحدث الآن عندنا، هي دول لا نحاكيها في شيء، كما لا نحاكي حتي الدول الشبيهة بظروفنا وتدور أيضاً في فلك الرأسمالية.

ومن الاستخلاصات السابقة، تبدو لعبة الانتخابات، كما يحدث الآن في المحليات، ملهاة تقودنا إلي مزيد من المجهول، فالمسرح معد سلفاً، والنتائج الآتية من علي خشبته معروفة، ولا يتبقي لها غير الإعلان الرسمي، بزفة إعلامية كاذبة تتشدق بالديمقراطية والمشاركة الواسعة، ويشارك فيها أحزاب المعارضة التي لفها زعماؤها بأكفان الموت منذ سنوات،

ورفضت الجماهير المشاركة في تشييعها، والمشهد الآتي الذي ينسدل الستار بعده سيكون في انتخابات مجلس الشعب المقبلة، فالحزب الوطني سيحصل علي الأغلبية، وسيشاركه فقط قلة من النواب لأحزاب ترضي بلعبة الديكور، والمحزن أن كل ذلك يحدث في وقت، جرت فيه انتخابات نزيهة في دول مثل ماليزيا، وزيمبابوي.

فيا أهل الحكم عندنا أفيقوا، قبل أن يتحول الطفل الذي لا يجد قوته، والأب العاجز، إلي قنابل موقوتة، فيومها لن ينفع الندم.

 

 


الاسم :
البريد الالكتروني :
موضوع التعليق :
التعليق :


.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة المصرى اليوم  
و يحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مؤسسة  المصرى اليوم 

أتصل بنا

 | 

اتفاقية الاستخدام

 | 

الرئيسية

Site developed, hosted, and maintained by Gazayerli Group Egypt