كانت شوارع القاهرة مزدحمة بالمواطنين كعادتها يوم ٤ مايو، رغم الدعوة إلي الإضراب العام في ذلك اليوم، وتعليق الأعلام السوداء علي البيوت، مر يوم ٤ مايو عادياً بعكس الحال يوم ٦ أبريل، حيث خلت الشوارع يومها من المارة ومنعت الأسر أبناءها وبناتها من الذهاب إلي المدارس، وجلس عدد كبير من موظفي الحكومة في بيوتهم، لم يكن بقاء الناس يوم ٦ أبريل في بيوتهم استجابة لدعوة الإضراب، بقدر ما كان خوفاً ورعباً مما يمكن أن يحدث،
خاصة أن وزارة الداخلية والتليفزيون تكفلا ببث الرعب في المواطنين يوم ٥ أبريل، إذ أصدرت الوزارة بياناً بتحذير وتهديد المواطنين من أي تجاوز أو المساس بالممتلكات العامة، فتوقع الناس الشر، وقرروا الابتعاد عنه، حتي لو دفعوا إلي الغناء له، لكن في يوم ٤ مايو لم يكن هناك توقع ولا انتظار للشر فخرجوا من بيوتهم ومارسوا حياتهم بشكل طبيعي.
وهناك عدة أسباب يمكن رصدها لعدم التجاوب مع الدعوة إلي الإضراب يوم ٤ مايو، لعل أبرزها التحول في الخطاب الرئاسي في الفترة الأخيرة، تحول يحمل رسالة مفادها أن الرئيس يقدر معاناة المواطنين، وأنه يتابع بنفسه مشكلاتهم ويعمل علي حلها وأنه يقوم بكبح جماح الحكومة، التي تريد فرض مزيد من الضغوط علي المواطن، والتي وصلت إلي حد تجويع ذلك المواطن وحرمانه من رغيف العيش، وأبرز دليل علي هذا التحول هو العلاوة التي وصلت ٣٠%، وكانت في العادة نصف هذا الرقم، وكانت تأتي مصحوبة بمن وتوبيخ من وزير المالية ورئيس الوزراء للمواطنين بسبب صعوبة تدبير الموارد و...!!
الجديد في الدعوة إلي الإضراب يوم ٤ مايو كان دخول جماعة الإخوان علي الخط، حيث وجه المرشد العام للجماعة نداء إلي المصريين بالمشاركة في الإضراب، وكنت بمدينة «جنيف» يومها، وكان الترقب والتساؤل بادياً علي كل المصريين والعرب الذين التقيتهم من تبني الإخوان للإضراب، وكانوا جميعاً يتحسبون..
ويبدو أن الصورة لديهم أن المرشد بدعوته سوف يقلب الأمور رأساً علي عقب، وأن الملايين سوف تلبي النداء ولن يخرجوا من بيوتهم.. والواضح أن الإخوة المصريين والعرب في بلاد الغرب يصدقون ما يعلنه الكثير من التقارير الإعلامية الغربية من أن الإخوان هم القوة الرئيسية في مصر، وأنهم قادرون علي تحريك الشارع، وهؤلاء لديهم عذرهم، فهم لا يلمون بالقدر الكافي بحقيقة الأوضاع وموازين القوي والتيارات السياسية في مصر.
دعوة المرشد وكذلك رسائل S.M.S التي وصلت إلي عدد من المواطنين عبر الجماعة بمساندة الإضراب، ثم عدم الاستجابة لتلك الدعوة، تؤكد أن جانباً كبيراً من قوة الإخوان أمر مفتعل وشأن دعائي لا يسانده الواقع، وليست تلك هي المرة الأولي التي تكشف ذلك.
لكن تدخل الجماعة هذه المرة يدعو إلي التوقف والتساؤل.. قبل أقل من شهر ونصف الشهر تبنت جماعة ٩ مارس الدعوة إلي إضراب أساتذة الجامعات يوم ٢٣ مارس، للضغط علي وزير التعليم العالي ورئيس الوزراء للاستجابة إلي مطلب تحسين رواتب الأساتذة، وكان أن قاطعت الجماعة وحدها الإضراب، بل وقفت ضده، وخذلت الأساتذة في مطلب بسيط وحق أساسي لهم، وهو تحسين الراتب.. وحين صدرت الدعوة إلي الإضراب يوم ٦ أبريل، وقفت الجماعة ضد الدعوة، فما الذي جد هذه المرة، حتي إن المرشد بنفسه تدخل في الأمر...؟!!
ليس أمامنا إلا موضوع الأحكام العسكرية التي صدرت مؤخراً بحق نائب المرشد خيرت الشاطر ومجموعته، وهذا يعني أن الجماعة كانت تتجنب إغضاب الحكم تحسباً وانتظاراً لانتهاء القضية، فلما صدرت الأحكام العسكرية، وهي بالفعل أحكام قاسية، فإن الجماعة قررت أن ترد بشكل مباشر وعلني، ويبدو أنه كانت هناك اتصالات سرية أو تحتية بين الجماعة وأطراف من الحكم، فبعد أن صدرت الأحكام أعلن أحد قادة الجماعة أنهم تلقوا تأكيدات من الدولة بأن الأحكام ستصدر مخففة وأنه قد يتم الاكتفاء بمدة السجن خلال المحاكمة.
ومقبول في العمل السياسي أن يكون هناك قدر من البراجماتية، كبير أو صغير، ولكن البراجماتية لا تعني أبداً الدخول في ألاعيب جد صغيرة، والتي تؤدي إلي تناقض وتضارب المواقف بين يوم وآخر، فلم تقدم الجماعة أسباباً مقنعة لعدم المشاركة في الإضراب، وهي كذلك لم تعلن أسباباً للدعوة إلي الإضراب، رغم أن الفارق الزمني بين الموقفين، أقل من شهر، فقط تكتفي الجماعة بما يشبه «الفرمان العثمانلي» الذي يصدر ملزماً دون إبداء الأسباب أو المبررات، وقد يكون المرشد قادراً علي التعامل مع إخوانه بمنطق الفرمان، لكن هل صار الشعب المصري كله من التابعين للجماعة...؟!!
واقع الحال يؤكد أن الجماعة كانت معنية بقضاياها وهمومها فقط، بغض النظر عن قضايا المواطنين أو الجماهير، وبغض النظر عن التنسيق مع أي قوة أو تيار آخر، هي وفقط، وهذا ما يفسر تناقض المواقف وتلاعب النظام معها وبها.
التناقض والتضارب في مواقف الجماعة، ليس حالة طارئة ولا هو موقف عارض، بل هو ملمح عام في تاريخ الجماعة منذ أن قرر الملك فاروق وبعض كهنة الرأي توظيف الجماعة سياسياً لصالح العرش، بعد حادث ٤ فبراير ١٩٤٢، ودخلت الجماعة علي يد مرشدها المؤسس اللعبة بترحاب كامل، ولم تتغير الجماعة ولم تتطور من يومها، رغم كثرة التجارب التي مرت علي المصريين وعلي الجماعة..
يقول المصريون إن التكرار يعلم الشطار، والواضح أن الجماعة ليست من الشطار، لذا لم يراهنوا عليها.