لا شئ هنا يدل علي وجود الحياة، سوي البشر أنفسهم، أما البيئة التي يعيشون فيها فهي الفقر في أفدح صوره.. لا رعاية طبية ولا خدمات تعليمية ولا صرف صحي ولا مكتب بريد ولا سنترال ولا مياه شرب نقية.. ولا عمل يعين هؤلاء السكان علي شراء طعام أو الحلم بمستقبل أفضل.
السكان يعملون في ورش نجارة.. والنساء يساعدن بالعمل في فلاحة الأرض.. والأبناء هائمون، وغالبيتهم متسربون من التعليم، ليشكلوا مع عائلاتهم مجتمعاً بدائياً معزولاً يضم ٦٠٠٠ مواطن في قرية شمس «الكحيل»، صنفها تقرير البنك الدولي باعتبارها الأفقر في مصر.
عندما يعجز الرجال عن إيجاد فرصة للعمل تخرج النساء بحثا عن طعام للصغار الذين يتضورون جوعا، وعندما تجف المياه من البيوت، يلجأ الناس إلي الترع التي تحولت إلي مصرف صحي فيشربون مياهها بعد غليها، وعندما يقتات الناس علي رغيف الخبز وثمار الباذنجان لشهر كامل، وعندما ينامون في بيوتهم وكأنهم في العراء، فلا الجدران الخشبية تستر من نظرات العيون، ولا الأسقف المصنوعة من القش والحطب ترد الحر والبرد، لذا فعندما يعرف الفقر بأنه قرية بعينها.. فهو قرية «الكحيل».
الكحيل هي إحدي قري مركز سعد بدمياط، والتي احتلت مؤخرا صدارة التقرير الذي أصدره البنك الدولي عن أفقر قري مصر،تفتقر الحياة هناك إلي أهم مقوماتها من شبكة للصرف الصحي ووحدة للرعاية الطبية والإطفاء والبريد وسنترال، ومع مرور الوقت تحول الحديث عن هذه الأشياء بين سكان القرية إلي خرافة يتهمون من يطالب بها بالجنون، فقد قضوا حياتهم يحلمون بما هو أدني من ذلك ولم يحصلوا عليه.
الحياة هناك لا تختلف كثيرا عن القري المصرية الأخري، فمع وجود أكثر من ساقية بها، تجد الترع المملوءة بمياه الصرف الصحي منتشرة في كل مكان وتتسع في إحداها بدرجة تكاد تقسم «الكحيل» نصفين، غير ما تعانيه القرية من نقص مياه الشرب وهو ما جعل بعضهم يلجأون إلي مياه الترع للشرب منها، فعلي حد قول صلاح عبد الرحمن أحد السكان: «المياه دايما مقطوعة وبتيجي ساعات قليلة بالليل لكن بنحاول نستخدم مياه الترعة ونسخنها علشان الحياة تمشي».
أهالي القرية لا يعرفون طريقا للرزق سوي العمل في ورش النجارة المنتشرة بداخلها، أو العمل في الأراضي الزراعية المحيطة بها، وعادة ما يكون هذا العمل من نصيب السيدات قبل الرجال هناك، وهو ما قالته فاطمة مسعد سلام إحدي السيدات التي تخرج يوميا منذ الساعات الأولي من الصباح للعمل في الأراضي الزراعية ثم تعود في وسط النهار بعشرة جنيهات فقط، لتحاول بالكاد ـ حسب وصفها ـ توفير قوت يوم لبيتها،
وتبدأ فاطمة حديثها بقولها: «جوزي مريض ومبيقدرش يشتغل بعد ما عمل عملية القلب، فباسرح كل يوم وارجع بـ١٠ أو ١٥ جنيه أحاول أوفر منهم أي حاجة علشان ندفع الكهرباء والمياه».. الحلم الذي تمنته فاطمة لم يكن مستحيلا فكل ما قالته: «نفسي أربي ولادي الثلاثة تربية كويسة وأدخلهم المدارس وماحرمهمش من التعليم لأن الحالة صعبة وممكن اطلعهم علشان يساعدوني بس هانعمل إيه العين بصيرة والايد قصيرة».
بعض الأهالي لا يوجد لديهم دخل ثابت ويعتمدون في المقام الأول علي رزقهم اليومي من العمل الزراعي أو الحرفي، وهو ما وضع بعضهم تحت أزمة توفير «لقمة العيش» لأبنائه، ففي منزل ضيق مكون من ثلاث غرف ويتسع لثلاث أسر جلس الشربيني إبراهيم قائلا: «أقسم بالله ما دخلت بيتي أكل من تلات أيام وبياكلو باذنجان وعيش كل يوم».
أسرته لا تقف عند حد بناته السبع ولكنه يعول أخا معاقا لا يتقاضي من المعاشات سوي ٧٠ جنيها فقط، وهو ما دفع الشربيني للقول: «ما بيلحقوش يساندوا حاجة وخصوصا إني باتعالج من الكبد والمصاريف زادت عليا و مش قادر أكفي بيتي».
لم تكن حالة علي عبدالله أحسن بكثير فرغم بلوغه الـ٥٧ عاما إلا أنه لايزال يعمل في الأراضي الزراعية حتي يستطيع سداد دينه، فكما قال عبدالله: «الشغل بقي تعب عليا قوي بس مش قادر اقعد في البيت لأن عليا ديون لمقاول بنالي البيت بحوالي ٣٤ ألف جنيه وماضي شيكات بيهم،
ولو تخلفت الراجل ممكن يشكيني فباحاول أشتغل أي حاجة واساعد مع ولادي الرجالة في تسديد الدين».. قاطعته زوجته حسنية عزمي وهي تقول: «أنا باروح أشتغل عاملة نظافة في مستوصف خيري رغم أن عندي جلطة في رجلي، بس لازم أشتغل وأساعد جوزي وولادي علشان ما يتسجنوش».
وعلي أطراف قرية الكحيل تسكن أسرة ربيع الشربيني في منزل من طابق واحد ويعلوه سقف من الخشب والقش، ورغم قلة عدد أفراد أسرته فإنه يعاني من الظروف الصعبة إذ يقول: «أصبت بدوالي المريء من حوالي سنتين وبحقن كل فترة علشان النزيف اللي بيحصلي»..
يلتقط الشربيني أنفاسه ليكمل: «كنت باعتمد علي ربنا وعلي ابني الوحيد في مصاريف البيت لأنه كان بيشتغل نجار بس المكنة قطعت صوابعي من حوالي أسبوعين ومراتي هيا اللي بتصرف علينا دلوقتي من الجري في الأراضي الزراعية».
القرية التي ضمت ما يقرب من ٦٠٠٠ نسمة تفتقر إلي أهم ما يحتاجه المواطن من خدمات فبعد أن حاول الأهالي عمل شبكات صرف صحي أهلية تقوم بالصرف في مصارف للأراضي الزراعية، فإنهم وقفوا عاجزين أمام حرمانهم من وحدة صحية تنقذهم من الحالات الحرجة،
إذ يقول أحمد عبدالجواد الذي يبلغ من العمر ٨٠ عاما: «عندي روماتيزم ومبقدرش لا أروح ولا آجي وكل ما اتعب أروح في الوحدة الصحية بكفر البطيخ ودي بعيدة قوي عليا وباضطر أمشي مسافة بعيدة عليا كل ما أروح آخد العلاج لحد ما الاقي مواصلات لأن مفيش مواصلات هنا».
ما بين منازل مبنية من الخرسانة المسلحة وبيوت توقفت عند الطابق الأول تعيش أسرة في «عشة » من «الغاب» بعد أن فقدت القدرة علي بناء منزلها، تقول بدرية عتريس: «جوزي مريض محتاج يعمل عملية في رجليه وأنا باطلع أشتغل في الأراضي علشان اربي ولادي الأربعة بس الفلوس ما بتقضيش حاجة ودا خلاني ما ادخلهمش مدارس وسايباهم جنبي لما يكبرو يساعدونا».
«اللحمة» كلمة فقد كثيرون من أهالي القرية مذاقها بعد أن حكمت عليهم الظروف أن يقضوا اغلب أيامهم «يوم سمك.. يوم رز.. يوم عيش.. يوم بطاطس مقلية» هكذا وصفت هانم عبدالرحمن عوض أيامها مع يومية زوجها البسيطة التي لا تتجاوز العشرة جنيهات ويوميتها أيضا إذ تقول: «هنعمل إيه وإحنا ممكن نطلع في يوم مانلاقيش شغل، وكل واحد فينا بيجري عايز يجيب أي قرش علشان نربي العيال»،
ما تفعله هانم ربما يفوق طاقة أي سيدة فلا يمكن أن تفوت «فجرية»، حسب كلامها، إلا وتصعد علي العربات التي تنقل السيدات إلي الأراضي لتبدأ في عملها بين كثيرين من العاملات في الأرض.. وتكمل: «أول ما بارجع من الأرض بابتدي أجهز الأكل إن كان رز هاطبخه أو بطاطس هاحمرها.. الموجود بعمله».
انتشار المرض والفقر أصاب كثيرين بالعجز ـ علي حد وصفهم ـ لكن المسنات هناك لهن وضع مختلف خاصة لو فقدت إحداهم العائل وباتت بلا عمل ولا دخل يغنيها عن الحاجة، وهو ما تعيشه عطيات محمد عبد الخالق.. فرغم أن بيتها من الطوب إلا أنها تعيش مأساة في كل شتاء تصفها بقولها: «بنغرق كل شتاء في مياه الشتاء..
بس هاعمل إيه مفيش قدامي مكان تاني أروحه»، عطيات لا تملك عائلا غير معاش يصل إلي ٧٣.٥ جنيه، فحسب كلامها: «مبيكفيش حاجة.. وبالذات لأن عندي ابن مريض بالصرع وكل يوم علاجه بيتكلف فلوس كثيرة بس بصراحة مبيخدوش إلا لو كانت فيه فلوس متوفرة».