يحمل داخله إحباطات جيل بأكمله، وفي ذات الوقت، أحلامه. يؤمن بأن العمر لا يقاس بعدد السنوات، ولكنه يقاس بالقدرة علي ترك بصمة وأثر، فالنهاية واحدة سواء جاءت مبكراً أو تأخر موعدها. لا يحمل حديثه الكثير من التنظير، بل يترك لأفعاله التحدث عما يعيش في عقله من أفكار، لتصنفه في خانة سياسي، يحمل لقب «رومانسي حالم».
جاء ميلاد الكاتب والباحث الأكاديمي السياسي دكتور محمد السيد سعيد، في مدينة بورسعيد في ٢٨ من شهر يوليو عام ١٩٥٠، لأب يعتز بكونه عاملاً بهيئة قناة السويس، وأم يحلو لها ربط الحديث عنها بمصر، مشبهاً كليهما بالحلم الكبير الذي يجب أن يعيش ويموت الإنسان من أجله، وهو ما يعبر عنه قائلاً: «كانت أمي ربة منزل عادية،
ولكنها كانت تمنحنا الحياة بحنانها وحكمتها، وما تمتلكه من موروث ثقافي وشعبي يظهر في قدرتها المتدفقة علي استخدام الأمثال. دائماً ما أري مصر فيها، فمصر هي الأخري أم مليئة بالحكمة والثراء، ولكنها في لحظة ما فقدت الذاكرة، ولم تعد تعرف من هي، وباتت تنظر ببلاهة للعالم الذي سبقت خطواته مسيرتها».
طفولة عادية عاشها لم يكن منشغلاً بذاته فيها، حتي إنه لم يكن يخطط لما يجب أن يكون عليه، كان خجولاً ينأي بنفسه عن الناس، حتي بعد أن صار اسماً مرموقاً في عالم السياسة، والكتابة، إلي الحد الذي كان يتمني فيه لو كتب مقالاته بلا إشارة لاسمه. مع الثورة كانت بداية الحلم الذي شب عليه، ورأي في التجربة الناصرية ما يدعو للتأمل، حتي كانت نكسة الخامس من يونيو التي شهد فيها هو وأبناء جيله تحطم الحلم، بشكل أفقده الاتزان والثقة، لتبدأ رحلة البحث عن بدائل، والتي انتهت بميله للفكر اليساري،
فكانت معاركه الطلابية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية التي التحق بها، وكان واحداً من طلاب مظاهرات فبراير ١٩٦٨ التي أرقت عبد الناصر وطالبته بالديمقراطية ومنح الحركة الشعبية الحريات المفقودة، وهو ما يقول عنه: «علي الرغم من تعهد عبد الناصر في مارس بعودة الديمقراطية والقضاء علي دور الأمن المتزايد، إلا أنه راوغ في الالتزام بهذا البرنامج، وهو ما أثر علي استمرار الحركات الطلابية التي كنت أحد عناصرها، فكنت أخطب في الزملاء، وأخرج في المظاهرات مؤمناً بما أقوم به، ومازلت أتذكر تلك الأيام باعتزاز».
في العام ١٩٧٢ كان التخرج من الجامعة، وفي العام نفسه التحق بالجيش لأداء الخدمة العسكرية التي استمرت حتي عام ١٩٧٥، خلال هذه الفترة شارك في حرب أكتوبر عام ١٩٧٣، وهي الحرب التي اختلف معها رغم سعادته بها ومشاركته فيها وبعد خروجه من الجيش التحق بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، في الوقت الذي واصل فيه دراسته لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه، وأصبح جليا ميله للتيار اليساري الذي يرفض أن يصنف كواحد من حاملي أيديولوجيته، مؤكداً أنه «ليبرالي بين اليساريين، ويساري بين الليبراليين».
ورغم آرائه التي حظيت بتقدير الكثيرين حتي المعارضين منهم، إلا أنه لم يحترف السياسة مفضلاً عليها التوعية والعمل الجماهيري، ليصف تجربته السياسية بأنها «تجربة سياسية مفتوحة غير نابعة من حزب»، ويري في منظمات حقوق الإنسان التي أنشأها وساهم فيها، واحدة من أهم إنجازاته في الحياة كما يشعر بالاعتزاز بكتبه وأبحاثه.
في عام ١٩٨٩ كانت تجربة الاعتقال بسبب مواقفه السياسية، حينما أصدر بياناً حقوقياً رفض فيه اقتحام قوات الأمن مصنع الحديد والصلب، وإطلاق النار علي العاملين به، ظل معتقلاً لمدة شهر، وهي فترة لم تؤثر علي رؤيته السياسية، القائمة علي تقبل الآخر وإفساح المجال له، والدفاع عن رأيه الذي قد يختلف معه فيه.
ولذا جاءت تجربة رئاسته لتحرير جريدة البديل عام ٢٠٠٧، تجربة مميزة كما يقول العاملون بها، لا لقدرته علي إدارة العمل فحسب، ولكن لقدرته علي احتواء الجميع ومنحهم الاهتمام، حتي ممن اختلفوا معه، إلي جانب موهبته في الإلمام بتفاصيل حياة من يتعاملون معه، حتي ولو بدا عليه عدم الاهتمام.
ومنذ أيام كان قراره بالانسحاب من تلك التجربة، بعد أن أرهقته معركته مع المرض اللعين، الذي بات يؤرق عليه تفاصيل يومه، رافضاً أن يكون في الجريدة، مجرد اسم تحمله صفحاتها. مفسراً حيرة من حوله بقراره بالقول: «كلنا سنموت، وفي النهاية علينا أن نفكر فيما سنتركه من قيمة».
لا يبقي للدكتور محمد السيد سعيد سوي التقدير والتحية والدعاء براحة السريرة، وهناء البال.