علي بعد نحو ثلاثة كيلومترات من مساكن عين شمس علي طريق جسر السويس تقع عشوائيات «أبو رجيلة» التي تتبع مدينة السلام إدارياً. حديقة بدر والتي تعتبر الحد الشمالي لمدينة السلام هي أو ما تقع عليه عيناك عند الذهاب إلي «أبو رجيلة». والفارق ضخم بين مشهد أطفال يتسابقون إلي القفز في حمام السباحة في الحديقة وأطفال أبو رجيلة الذين يتسابقون للقفز في رشاح الصرف الصحي هرباً من حرارة الشمس أو لتوفير احتياجات حيواناتهم من مياه الشرب.
علي بعد نحو ١٠٠ متر من الحديقة تجد نفسك في عالم آخر مختلف، عالم يقوم علي اللعب مع الموت والحياة علي «اقتصاد الزبالة» حيث يلقي سكان المدينة بما لا يريدون.. ليتلقفه من يريدون أن يعيشوا حتي ولو علي هامش الحياة.
تلال من الزبالة تحتل واجهة المنطقة بطول نحو ٧٠ متراً وارتفاع ١٠ أمتار، قال لنا الأهالي إن سيارات تابعة لإحدي الجهات الحكومية كونتها علي مدار سنوات مضت وإن لم يمنع ارتفاعها وسوء أوضاعها من إقدام بعض الأهالي علي إقامة عششهم فوقها ربما بحثاً عن نسمة هواء نقية تأتي من «فوق»!!
تقودك تلال القمامة إلي سهل منخفض يسكنه نحو٧٠٠ أسرة علي هيئة شريطين من العشش يفصل بينهما خط سكة حديد لا يبعد عن المساكن سوي مسافة مترين في أقصي المناطق اتساعاً، ويتخذ الأطفال من قضبانه وسيلة للتسابق الذي سرعان ما يتحول لسباق إلي الموت ولا تزال ذاكرة أهل أبو رجيلة تستحضر ضحايا سباقات ماضية وتستعد للمزيد من المتسابقين الجدد.
بيوت أبو رجيلة تبدو للغرباء كأنها مساكن للأقزام فارتفاع البيوت عن الأرض لا يزيد علي متر ونصف. هكذا يبدو الحال لمن يتطلع إليها من الخارج. أما من يجرؤ علي الدخول فسوف يكتشف أن هناك نصفاً آخر للبيت ولكن تحت الأرض، فالتراب وأوحال مطر الشتاء والقمامة التي تلقي في الشوارع الضيقة تتحول تحت أقدام جيوش البشر السائرين يوماً بعد يوم إلي طبقات تضاف لارتفاع الشارع الضيق، بينما تظل البيوت علي حالها لتهبط يوماً بعد يوم.. أما البيوت نفسها فهي قصة أخري.. الأبواب الخارجية
وهي غالباً من الصفيح أو الخشب تخفي خلفها ما يشبه المعسكرات الصغيرة لبشر تآلفوا معاً رغم تنافرهم واتفقوا رغم اختلافهم علي أن يملأوا تلك الحجرات الضيقة المتراصة في تلاصق غريب والمتحدة في «دورة مياه» واحدة و«حوش» صغير هو ممرهم الوحيد للخروج والدخول «للمعسكر» العائلي، هذا الذي تلقي علي عتبة بابه الواطئة كل قواعد الخصوصية سواء لمجموع السكان أو حتي لسكان كل حجرة، حيث تحتوي الحجرات الضيقة خلف الستارة المتهالكة حياة كاملة لأب وأم وأولاد.
تكاد المنطقة تخلو تماماً من أي وسائل للحياة ومحاولة الوصول ولو لبعض تلك الوسائل يعني السير في حقل ألغام، فلا وجود لمياه الشرب بالمنطقة، ولا يعرف السكان سبيلاً للوصول إليها إلا عن طريق نقلها في «جراكن بلاستيك» من المناطق المجاورة مثل مساكن النزهة أو المرج وغيرها، أما الكهرباء
فلا تتاح إلا عبر سرقة التيار من كابل كبير أقاموا حوله غرفة إسمنتية يطلقون عليها «الكابينة» وعلي من يريد توصيل الكهرباء أن يدخل إلي غرفة الموت تلك، ليحصل علي وصلة تمتد علي الأرض عبرالطرقات حتي تصل إلي بيته، وربما مات الرجل أو أحد أبنائه صعقاً من جراء كثرة الأسلاك غير المغطاة قبل أن تنعم الأسرة بنور الكهرباء فالداخل مفقود والخارج مولود. وتبدو وصلات الأسلاك المتشابكة كأنها شبكة موت منصوبة في انتظار ضحية قادمة، لا يتأخر وصولها كثيراً، علي الأرجح.
ليست هذه هي المشكلة الوحيدة بالطبع، يقول عرفة فاروق (٦٠ عاما)، وهو أحد سكان أبو رجيلة: «لا مياه.. لا كهرباء. ولا صرف صحي، فنحن ميتون علي قيدالحياة».
المفارقة أن هؤلاء السكان المحرومين من الصرف الصحي تحولت حياتهم إلي جحيم بسبب وجود رشاح للصرف الصحي وسط المنطقة والرشاح عبارة عن ترعة كبيرة يتجاوز طولها ٥٠ كيلومتراً بداية من «أبو رجيلة» التي تصلها مياه الرشاح عبر مواسير ضخمة تضخ مياه الصرف من عين شمس والنزهة وأحياء أخري مجاورة لتصريفها شمالاً باتجاه صحراء مدينة السلام، هذا الرشاح يبدأ جزءه المكشوف من
منطقة أبو رجيلة، وسرعان ما ترتفع مياهه وتتآكل شواطئه الترابية ليصب مياهه داخل البيوت المنخفضة التي تبعد عنه أقل من مترين لتجد الأسرة نفسها وسط بركة من مياه الصرف الصحي.
والأغرب أن أطفال أبو رجيلة يعتبرون الرشاح مصيفا يهربون إليه من حرارة الشمس وهو ما يعني مزيداً من حوادث الغرق بسبب الضغط العالي للمياه المندفعة من المواسير، ناهيك عن الإصابة بأمراض لا حصر لها.
هنا، في عزبة أبورجيلة، يحاصرك الموت في كل مكان بالماء أو بالكهرباء، أو بالدخان أو تحت عجلات قطار، أو غرقاً في مياه الصرف الصحي.
«نوسة» التي لم يتجاوز عمرها ١٢ عاما أجريت لها جراحة لتغيير صمام بسبب كثرة الدخان المنبعث من احتراق الزبالة، والرائحة الكريهة التي يسببها قرب الرشاح من منزلها في منطقة تخلو من وجود أي مستشفي حكومي، ونوسة نموذج لمن أفلتوا من الموت في الرشاح ليدخلوا في دائرة المرض!!
ولا تتوقف مخاطر العيش في عشوائيات أبو رجيلة عند حد الموت تحت عجلات القطار أوغرقاً في مياه الرشاح أو صعقاء بالكهرباء.. فداخل الغرف يعيش السكان في رعب خوفاً من لدغات العقارب والثعابين التي تعيش في أكوام الزبالة أو من سقوط سقف الغرفة فوق رؤوسهم ليلاً، وهو أمر متكرر الحدوث نتيجة لتهالك الأسقف بعد أن حال الخوف من كابوس الإزالة الذي يطارد السكان دون إقدامهم علي تجديد بيوتهم والإنفاق علي تطويرها.
أكثر ما فاجأنا وآلمنا هو سؤال وجهه لنا طفل يدعي زكريا، لا يتجاوز عمره ١٠ سنوات: «انتو بتوع الإزالة؟!» المفاجأة جعلتني عاجزاً عن الرد للحظات، قبل أن ينطلق لساني بالنفي والتأكيد علي أننا ليس لنا صلة بالإزالة، في حين عبرت والدته عن أملها في امتلاك غرفة واحدة بإحدي العمارات السكنية لإنقاذها وأطفالها من جحيم الرشاح الذي تقتحم مياهه غرفتها الصغيرة.
وبالقرب من حافة الرشاح فاجأتني الطفلة أميرة فؤاد «٦ سنوات» بطلبها جهاز كمبيوتر ودراجة في حين تشجع زكريا وطلب جهاز «بلاي ستيشن».
وإلي جوار منزل زكريا، يوجد منزل عبدالله محمد (١٩ سنة) وهو العائل الوحيد لأسرة مكونة من ٦ أخوة ووالدته، بعد أن توفي والده منذ سبع سنوات دون أن يترك له أي مصدر للدخل للإنفاق عليهم ليجد نفسه مضطراً للعمل حارس أمن ليلياً في أحد المصانع المجاورة في حين يتقاسم مع إخوته نهاراً رعاية بعض الأغنام لصالح أحد الأغنياء مقابل ١٥ جنيهاً في اليوم، ينفقها علي إخوته الذي يدرسون في مراحل التعليم المختلفة.
عبدالله يري أن ضيق ذات اليد يحول دون إكمال معظم أبناء المنطقة لتعليمهم، ولأن القرش له حكمه - علي حد وصفه - فأقصي مستوي للتعليم هو الحصول علي أحد الدبلومات الفنية أو الاكتفاء بالشهادة الإعدادية، لينطلق بعدها الطفل للعمل في جمع أوراق الكرتون من شوارع القاهرة وبيعها لأصحاب المصانع التي تحيط بالمنطقة.
وتتمني الحاجة «غنية» (٥٠ سنة) أن تتم تغطية الرشاح وأن تتاح لهم فرصة تملك البيوت التي يقيمون بها حتي يمكنهم إعادة بنائها أو نقلهم إلي منطقة سكنية أخري مع توفيرمساكن بديلة لهم.
من غرفة في عين شمس إلي غرفة أكثر ضيقاً وأقل آدمية انتقل عم عرفة (٦٠ عاماً) ليدفن وهو علي قيد الحياة - علي حد قوله - وليعيش رعباً خاصاً يبدو أشبه بقصص الخيال.. يحكي عرفة : منذ عام ١٩٨٦، أعيش مع أبنائي في هذا المكان. أجد نفسي مضطراً لإغلاق الباب عليهم خوفاً من أن يتعرضوا للغرق في الرشاح وفي نفس الوقت أخشي عليهم من لدغات العقارب والثعابين التي تعيش بين أكوام الزبالة وحتي داخل الحجرة الضيقة، ومنذ يومين تعرضت طفلتي للدغة عقرب ليلاً، ولك أن تتخيل المعاناة التي تحملناها في ظل عدم وجود مستشفي قريب، ورغم ذلك ظلت عدة ساعات تتألم بالمستشفي قبل أن يتم إنقاذها.
عم عرفة يعمل باليومية وهو ما يعني أنه حتي الرزق لم يعد مأموناً «في يوم أجد عملاً أكسب منه ٢٠ أو ٣٠ جنيهاً وفي أيام لا أجد، فأظل جالساً في البيت وهو ما اضطر زوجتي للعمل بالبيوت للإنفاق علي الأولاد الذين يدرسون في الابتدائي والإعدادي والثانوي الصناعي».
سألناه: ألا تفكر في إلحاق أبنائك بالثانوي العام؟
أجاب: الثانوي العام شيء يفوق قدرتنا، فنحن لا نعرف اللحمة سوي مرة واحدة في العام، فكيف لي أن أتحمل مصاريف الثانوية، الظروف لا تساعدنا والطفل يجد نفسه مطارداً ما بين سوء الحال في البيت ومطاردة المدرسين له في المدارس طلباً لأجر المجموعات وغيرها مما يضطره إلي ترك المدرسة وهو ما يشعرني بالآسي خوفاً من أن يتحولوا إلي مجرمين أو قطاع طرق أو إرهابيين في ظل الظروف الصعبة التي نعيش فيها.
وتعيش نادية علي «٥٠ سنة» في المنطقة منذ ١٠ سنوات، بعد أن عجزت عن دفع إيجار المسكن في عين شمس يعمل زوجها في هيئة النقل العام، وأجره لا يكاد يكفي احتياجات الأسرة أو دفع ١٠٠ جنيه لإيجار الغرفة التي يسكنون بها حالياً ورغم ذلك فهم مهددون بالإزالة وهو أمر مرعب يضاف إلي جحيم العيش وسط مدمني البانجو
والمجرمين الذين يملأون المنطقة وبصراحة شديدة تعترف نادية بسرقة التيار الكهربائي قائلة: كلنا سارقين كهرباء من الحكومة أنا عارفة إن ده حرام لكن غصب عنا لأن البديل هو الظلام.
أما الحاجة منيرة «٦٠ سنة» فقد جاءت للمنطقة قبل ثلاث سنوات لتعيش مع أولادها الذين سبقوها للعشوائيات بحثاً عن عمل لا يتطلب مؤهلاً، وتلخص الحاجة منيرة حياتها بقولها: أبويا مات وزوجي مات، وتركوني للفقر وحدي».