لم أتعود إبداء أى رأى فى قضية أو حادثة تكون فى مرحلة تحقيقات الشرطة والنيابة، أو معروضة على القضاء وصدرت بشأنها أحكام، وبالتالى فلا علاقة من قريب أو بعيد لهذا المقال بالقضية التى تتداولها وسائل الإعلام ويتم التحقيق فيها مع عدد من قيادات الإخوان المسلمين الخاصة بـ«التنظيم الدولى» وعلاقته بالجماعة فى الداخل،
وتناولت عدداً من أعضاء مجلس الشعب، وإلى أين ستنتهى، خاصة أن ما يقال عن التنظيم الدولى للجماعة ليس جديداً، لأنه حقيقة معلنة بحكم أن الجماعة موجودة فى جميع البلاد العربية والإسلامية والأوروبية وأمريكا على هيئة أحزاب علنية بأسماء مختلفة، أو سرية، وعلى شكل جمعيات للدعوة، ولها مؤتمراتها، والخلافات بينها حول وجود سياسات أو خطط موحدة تلتزم بها أم أن الأمر متروك لكل منها حسب ظروف البلد الموجودة فيه،
وقد تتناقض مواقف بعضها مع الآخر تناقضاً شديداً فى قضية ما، مثلما حدث فى الغزو الأمريكى - البريطانى للعراق فى أبريل عام ٢٠٠٣، فقد أيده الإخوان المسلمون العراقيون ممثلين فى الحزب الإسلامى بزعامة محسن عبدالحميد وقتها، ودخلوا بغداد مع غيرهم من ممثلى الأحزاب الشيعية، وعملاء أمريكا على ظهور دباباتها، وعملوا معها تحت إمرة أول حاكم أمريكى للعراق، وهو بريمر.
وشاركوا فى الحكم والعملية السياسية من وقتها وحتى الآن، ورفضوا المشاركة فى مقاومة الاحتلال، وهو موقف تناقض تماماً مع مواقف الإخوان فى مصر وغيرها، وكان التناقض قد ظهر من قبل عند غزو العراق الكويت فى أغسطس عام ١٩٩٠، ووقف ضده الإخوان فى الكويت، وأيدوا الاستعانة بالتدخل الأجنبى، بينما الإخوان فى مصر وغيرها أدانوا الاحتلال العراقى، وطالبوا بانسحابه.
إلا أنهم عارضوا التدخل الأمريكى لأنه سوف يسعى لتحقيق أهداف أخرى، منها تدمير العراق، وأيدوا الحل فى إطار إسلامى - عربى.. وهكذا بإمكاننا تعداد مواقف أخرى كشفت عن الخلافات فى السياسات والخطط، بين جماعات الإخوان.. مما يكشف عن خرافة وجود تنظيم دولى محكم وقادر على إلزام فروعه بسياساته ومواقفه بعكس الحركة اليهودية وتنظيماتها، القادرة على إلزام المنظمات اليهودية فى العالم بسياساتها ومواقفها، وما نقوله لا يعنى عدم وجود تعاون بين منظمات وأحزاب الإخوان فى العالم بصورة ما فهذا موجود..
أما ما مجالاته الآن، والمدى الذى يصل إليه، فهذا ما لا نستطيع حصره أو تحديده بالضبط، ولهذا فإن ما يعنينا أولاً وأخيراً هو وجود الإخوان المصريين وسياساتهم وتحركاتهم.. وهى منذ بدأوا نشاطهم عام ١٩٧٤ فى عهد الرئيس الراحل أنور السادات ـ عليه رحمة الله - وتحركاتهم السياسية، وفى النقابات وانتقالهم من حزب لآخر، وتحالفاتهم ودخولهم انتخابات مجلس الشعب ومؤتمراتهم، ومقر مكتب الإرشاد، وأعضاؤه كل ذلك يتم علناً، وتحت أعين النظام والمتابعة الدقيقة للأمن،
ووصل الأمر إلى درجة أن سياسة النظام نفسه نحوهم أصبحت علنية ومعروفة ومعتادة، وهى السماح لهم بالحركة، وتوجيه ضربات إليهم من وقت لآخر وقد تعايش الاثنان مع هذه السياسة والقبول بها، ولهذا فإن ما يثير الدهشة هو ظاهرة توصل بعض الكتاب والصحفيين إلى معلومات لم تتوصل إليها أجهزة الأمن ذاتها، تفيد بأن الإخوان أعادوا تشكيل الجهاز الخاص السرى الذى كان مخصصاً للقيام بالعمليات الإرهابية،
بل أصبح يضم عشرات الألوف المسلحين بأسلحة حديثة ومتطورة، وهو ما يجعلنا نضع أيادينا على قلوبنا خوفاً مما يمكن حدوثه فى بلادنا مع تواطؤ النظام وأجهزة أمنه مع الإخوان، بصمتهم عن هذا التنظيم المسلح، الذى أخبرنا به الكاتب والسيناريست المعروف وحيد حامد، الذى كتب قصة وسيناريو وحوار المسلسل التليفزيونى الجديد عن حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان وأول مرشد لها، الذى أثار رد فعل من جانب ابنه المحامى سيف الإسلام حسن البنا، وإعلانه هو الآخر أنهم يعدون لعمل فنى عن والده،
وقد نشرت مجلة «المصور» فى عددها الصادر يوم الخميس ٢٩ مارس الماضى حديثاً مع وحيد، أجراه معه رئيس تحريرها زميلنا وصديقنا والصحفى النابه والمدقق المتميز فى مجال التحقيقات والأحاديث حمدى رزق، الذى سأل وحيد عن تقديره للجهاز السرى، وهل هو موجود الآن أم لا، وهل هم مسلحون؟ فكانت ردود وحيد هى بالنص:
«نعم.. بالتأكيد مسلحون، وخذ عندك مثلاً المرشد الحالى مهدى عاكف قال إنه مستعد أن يرسل إلى جنوب لبنان عشرة آلاف مقاتل، هل سيرسلهم بالنبابيت أم بسيوف؟ أم أنهم مسلحون بصورة عصرية، فضلاً عن أنهم مدربون على القتال؟ أيضاً مهدى عاكف قال: مستعد أن أرسل مقاتلين إلى غزة.. طيب يرسلهم بإيه وإزاى؟ أكيد مسلحون ومدربون، المسألة واضحة، ويمكن استنتاجها بسهولة».
وهكذا كشف لنا وحيد ما لا تعلم أجهزة الأمن عنه شيئاً، جيش حقيقى يتكون من عشرات الألوف شكله الإخوان، أفراده مدربون على أعلى مستوى ومسلحون بأسلحة عصرية، أى على الأقل بصواريخ مضادة للدبابات، ورشاشات ثقيلة، أو مدافع جرينوف، وهى موجودة لدى بعض العصابات فى الصعيد ولابد أن تكون لهم إدارات مهمتها التنظيم والحشد والاتصالات وتم تدريبهم فى معسكرات.. فمتى وأين حدث هذا كله؟
وأين أجهزة الأمن منه؟.. ربكم الأعلم.. ثم وحيد حامد.. والإخوان، لكن اتضح أن هناك إخواناً مسلمين سابقين لديهم معلومات عن التنظيم السرى، تدعم معلومات وحيد إلا أنها تختلف معها فى أخطر الجوانب، وهى أنه تنظيم غير مسلح ولا يخطط لعمليات عنف أو إرهاب، أولهم هو الكاتب والباحث أحمد رائف، الذى نشرت له «المصرى اليوم» يوم الاثنين قبل الماضى حديثاً أجراه معه زميلانا طارق صلاح ومنير أديب قال فيه بالنص: «يتكون التنظيم الحالى من خمسة قيادات إخوانية، هم الدكتور محمد حبيب، النائب الأول للمرشد، والدكتور محمود عزت، أمين عام الجماعة، والدكتور محمود غزلان، والدكتور محمد بديع والدكتور محمد مرسى أعضاء مكتب الإرشاد،
ويقوم هذا التنظيم بالحفاظ على كيان الجماعة فى اتجاه تحقيق أهدافها فى ظل الظروف التى تتعرض فيها للاضطهاد من قبل الأنظمة الحاكمة حتى تحقق هدفها المنشود فى إقامة الخلافة الإسلامية، وهذا التنظيم منوط به إصدار الأوامر والتعليمات إلى المستويات العليا للجماعة التى تقوم بدورها بنشر هذه التعليمات لجميع المستويات، الآن لا يوجد تدريب عسكرى وإنما مهامه حماية وتأمين الجماعة ومنع محاولات اختراقها وتأمين وسائل وطرق اتصالاتها وإخفاء ما يحاول الآخرون سواء أجهزة الأمن أو غيرها كشفه لعدم الإضرار بمصلحة الجماعة أو ضربها فى العمق».
أما الإخوانى الثانى السابق الذى يؤكد وجود التنظيم السرى غير المسلح فهو الدكتور السيد عبدالستار المليجى، حيث أكد زميلنا بمجلة «آخر ساعة» علاء عزمى أنه سيصدر قريباً كتاباً عن ذلك عنوانه «حقيقة التنظيم السرى للإخوان».
وهكذا نجد أنفسنا أمام مجموعة من الألغاز التى قد يبدو أن حلها صعب: خصم للإخوان وللجماعات الإسلامية - وهو وحيد - يؤكد وجود تنظيم مسلح وقوى، واثنان سابقان من الإخوان يؤكدان وجود التنظيم دون أسلحة، وأجهزة أمن فى غاية الاطمئنان، وكأنها تعلم أن مثل هذه الشهادات مبعثها الخلافات الشخصية.. وبالتالى فحدود العلاقة مع الإخوان معروفة ومرسومة بدقة، والاثنان يحترمانها.