المصرى اليوم
                   تاريخ العدد       الاحد   ١٦   يوليو   ٢٠٠٦     عدد    ٧٦٣  
ابحث
English   الرجوع لعدد اليوم
 أعداد سابقة  

  الآنتقال الى

المواضيع الرئيسية
الرئيسية 
رسالة من المحرر 
قضايا ساخنـــــة  
اخبــار الوطن  
اقتصــــــــــاد  
رياضــــــــــــة  
السكوت ممنوع  
اخبــــار العالم  
مساحـــــة رأى  
حوادث و قضايا  
صفحات متخصصة  
سياحة  
أعمدة العدد
  خط أحــــــــمر
  ٧ ايام
  خارج النص
  إززززز



الرئيسية | مساحـــــة رأى
اطبع الصفحة  ارسل لصديق  اضافة تعليق


أمة مستباحة تتطلع إلي من يدافع عن شرفها

  بقلم   د. حسن نافعة    ١٦/ ٧/ ٢٠٠٦

الأمثلة علي استباحة واغتصاب شرف الأمة العربية باتت أكثر من أن تحصي أو تعد. ومع ذلك فقد جسد حادثان، تابعتهما الشعوب العربية علي مدي الأسابيع القليلة المنصرمة، نماذج لهذه الاستباحة كما لم تجسدها حوادث من قبل: ما وقع لهدي الفلسطينية علي شاطئ غزة، ومع وقع لعبير العراقية في مدينة المحمودية جنوب بغداد.

فعلي شاطئ غزة كانت الطفلة الفلسطينية هدي ذات السنوات السبع تلهو بعيدا عن عائلتها التي اصطحبتها إلي هناك بحثا عن قسط من الراحة يعوضها عناء يوم آخر عصيب من أيام الحصار المفروض علي شعب فلسطيني أعزل. لم تكن أحلام الأسرة الفلسطينية البسيطة تتجاوز الأمل في استنشاق قدر من الهواء النقي تستعيض به عن تلوث مدينة مكتظة بالبشر وركام المنازل المهدمة. لكن لم تكد جفون العائلة المتعبة ترتخي قليلا حتي دوي انفجار هائل قطع سكون الشاطئ وبدد سكينته. ولأنه لم يكن باستطاعة طفلتنا الصغيرة اللاهية علي الشاطئ بعيدا أن تستوعب ما جري، فقد راحت تهرول ذاهلة في اتجاه المكان الذي كانت قد تركت فيه والديها وأخواتها قبل دقائق. وحين لم تعثر الطفلة ذات السنوات السبع إلا علي أشلاء متناثرة فوق رمال محتقنة بلون الدم فقد انتابتها حالة من الصراخ الهستيري استطاعت «قناة الجزيرة» تسجيلها ونقلها بالصوت والصورة إلي سمع العالم وبصره. في اليوم التالي شاهدنا الطفلة التي حرمتها قنابل البحرية الإسرائلية من أعز ما تملك تحكي بنفسها عبر القناة الفضائية ذاتها حقيقة ما جري علي شاطئ غزة. لم يكن الذهول قد فارقها بعد، وربما لا يفارقها إلي الأبد.

بعيدا عن شاطئ غزة، كانت مأساة أفظع تنتظر عبير العراقية ذات الستة عشر ربيعا في مدينة المحمودية جنوب بغداد. لم تكن هذه الفتاة تملك حتي ترف الذهاب إلي الشاطئ مع عائلتها، لكنها كانت تجد نفسها مضطرة للذهاب إلي السوق القريبة من بيتها لقضاء ما تحتاجه عائلتها محاطة بالنظرات الجوعي للجنود الأمريكيين الذين كانت تمر بهم جيئة وعودة عند نقطة التفتيش. وعندما راحت نظرات هؤلاء الجنود تتطور إلي محاولات مكشوفة للتحرش والاحتكاك لم تجد الصبية الخجولة بدا من إخبار والدتها التي نصحتها بالاحتجاب في المنزل حرصا علي سلامتها. غير أن هذا الاحتجاب زاد الذئاب الجائعة إصرارا للحصول علي مأربهم من الطفلة البريئة وتمكنوا، بعد أسبوع كامل من التخطيط والرصد والمتابعة، من اقتحام منزلها وراحوا يتناوبون اغتصابها بعد أن حالوا بينها وبين أسرتها. ثم، وفي محاولة منهم لإخفاء معالم جريمتهم البشعة، قرروا التخلص بالقتل من الأسرة كلها، بما في ذلك شقيقتها التي لم يتجاوز عمرها السنوات السبع، وبعد أن سكبوا سائلا قابلا للاشتعال علي أجساد الضحايا راحوا يضرمون النيران في المنزل كي يبدو وكأنه تعرض لحريق القصف. ولم يكن بمقدور كاميرات القنوات الفضائية العربية أن تنقل لنا مأساة عبير العراقية بالصوت والصورة، مثلما فعلت مع مأساة هدي الفلسطينية، بل كانت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية هي التي كشفت عن الجريمة لأول مرة بعد أشهر من وقوعها بعد أن راحت تفاصيلها تتسرب من خلال الوشايات والهمهمات.

يصعب التعامل مع مأساة من النوع الذي تعرضت له الطفلة الفلسطينية هدي غالية أو الصبية العراقية عبير قاسم الجبالي باعتبارها حوادث فردية. صحيح أن سقوط قنبلة فوق أسرة تستجم علي شاطئ، هو أمر يمكن أن يحدث بطريق الخطأ في زمن حرب، وارتكاب جندي جريمة اغتصاب وقتل في دولة محتلة، أو غير محتلة، هو أمر وارد الحدوث، غير أن السياق العام لما يجري من وقائع وحقائق علي الأرض في فلسطين والعراق يجعلنا أكثر ميلا للاعتقاد بأن ماجري لهدي الفلسطينية وعبير العراقية لم يكن مجرد حوادث فردية وإنما إفراز طبيعي لسياسة منهجية تستهدف تخويف الشعبين العراقي والفلسطيني كوسيلة لتركيعهما وإجبارهما علي الاستسلام لواقع الاحتلال والقبول به. والدلائل علي ذك أكثر من أن تحصي أو تعد.

ففي العراق يمارس جيش الاحتلال الأمريكي سياسة العقاب الجماعي لسكان المناطق التي ترفع لواء المقاومة أو تساعد المقاومين، بما في ذلك سياسة التدمير الكامل للبني التحتية. وما جري للفلوجة وغيرها من مدن عراقية كثيرة يقطع بذلك. بل إن ما وقع في مدينة الحديثة في شهر نوفمبر من العام الماضي، والذي بدأ يأخذ مؤخرا طعم فضيحة كبري جديدة، يعكس هذا المنهج بوضوح تام. فعندما سقط في هذه المدينة جندي صريع بلغم أرضي زرعته المقاومة حتي راح بقية أفراد المجموعة التي كانت معه تطلق النيران في كل اتجاه علي المدنيين العزل موقعين أربعة وعشرين قتيلا معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ. يعكس هذا الحادث منهج سياسة دولة غرست في الوحل بأكثر مما يعكس مزاج مقاتلين أصيبوا بنوبة هيجان عصبي فريدة أو استثنائية.

أما في فلسطين فتبدو سياسة إسرائيل المنهجية التي تستهدف إخافة الشعب الفلسطيني، تمهيدا لتركيعه وإحباره علي الاستسلام للشروط الإسرائيلية، أكثر وضوحا. ولا يمكن فهم مأساة هدي إلا في سياق الرؤية الشاملة لما جري ويجري لبقية الأطفال الفلسطينيين. فطبقا للمصادر الإسرائيلية نفسها وصل عدد ضحايا العنف الإسرائيلي من الأطفال الفلسطينيين منذ اندلاع انتفاضة الأقصي في ٢٨ سبتمبر عام ٢٠٠٠ وحتي٢١ يونيو الماضي، ٧٥٥ قتيلا و ٣٥٥ معتقلا. ومن الصعب جدا أن نصدق أن هذا العدد الضخم من الأطفال القتلي سقطوا في حوادث فردية أو بطريق الخطأ. وحتي إذا صدقنا ذلك، فماذا عن الأطفال المعتقلين؟ هل أخذوا إلي السجون الإسرائيلية بطريق الخطأ أيضا؟. طبعا لا. فقد بات من الواضح لكل ذي ضمير حي أن إسرائيل، بقتلها واعتقالها هؤلاء الأطفال، إنما تمارس سياسة منهجية تستهدف الضغط علي الآباء والأمهات وابتزازهم لتثبيط همم شعب يطالب بحريته ودفعه للتخلي عن مطالبه في الاستقلال.

كانت إسرائيل تحاول أن توهمنا في ما مضي أن مشكلتها ليست مع المقاومة المشروعة للاحتلال، وإنما مع الإرهابيين الذين يفجرون أنفسهم في الحافلات وفي المقاهي والمطاعم والأندية. غير أن العملية العسكرية التي تبنتها ثلاث فصائل للمقاومة وتم فيها أسر جندي وقتل آخرين، جاءت لتكشف زيف هذا المنطق وخداعه. فعلي الرغم من أن الهجوم استهدف ثكنة عسكرية وجنودا يغيرون بدباباتهم وطائراتهم كل يوم علي الشعب الفلسطيني ويمارسون فيه القتل العشوائي، فإن إسرائيل ردت بضرب محطات الكهرباء والماء وشنت غارات بالطائرات قتل فيها، حتي كتابة هذه السطور، ستون شخصا معظمهم من المدنيين، وجرح المئات. ورغم أن الأسير جندي نظامي في الجيش الإسرائيلي ردت إسرائيل باختطاف وزراء من السلطة الفلسطينية المنتخبة ديمقراطيا. ومن الواضح لكل ذي ضمير أن إسرائيل تستخدم الجندي الأسير كذريعة، مثلما استخدمت ذرائع كثيرة من قبل، لتنفيذ مخطط مرسوم سلفا. وسواء قدم الفلسطينيون ذرائع أم لم يقدموا فستمضي إسرائيل قدما في تنفيذ مخططها الرامي لاستكمال مشروعها الصهيوني دون أن تلوي علي شيء

جوهر المشكلة في العراق أن الولايات المتحدة تريد الاستيلاء علي نفط هذا البلد الغني وليس لديها أية نية لتحديد جدول زمني للانسحاب منه إلا إذا اضطرت إلي ذلك. وجوهر المشكلة في فلسطين أن إسرائيل لا تعتبر الفلسطينيين شعبا له حقوق وإنما مجرد "قنبلة ديمجرافية" يتعين نزع فتيلها من أرض موعودة لشعب واحد مختار هو الشعب اليهودي الذي ما زال أغلبه يعيش في الشتات، وذلك بوضع ما تبقي منهم داخل معازل يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي. ولا بأس من وجود صلة سياسة وقانونية ما بين هذه المعازل وإطلاق اسم الدولة عليها كي يصبح بوسع إسرائيل أن تدعي أمام العالم، وخاصة أمام الإدارة الأمريكية، أنها لم تتخل عن خارطة الطريق، وأنها تعمل جاهدة لترجمة رؤية بوش إلي حل يقوم علي الدولتين وبذل كل ما تستطيع لوضع هذا الحل موضع التنفيذ.!

لذلك نعتقد أن صرخات هدي الفلسطينية وعبير العراقية ليست سوي تنويعات مختلفة الجرس لأنين أمة بأسرها تصر الولايات المتحدة وإسرائيل علي استباحة عرضها والنيل من شرفها تحت دعوي مكافحة الإرهاب. وإذا كان بوسعنا أن نفهم أن الإدارة الأمريكية تمارس سياسة القتل الممنهج ضد العراقيين لأنها تريد الاستحواذ علي نفط العراق الوفير، وأن الحكومة الإسرائيلية تمارس سياسة القتل الممنهج ضد الفلسطينيين لأنها تريد تصفية القضية الفلسطينية بطريقتها دعما للمشروع الصهيوني وحماية لمستقبله. لكن كيف يمكن لنا أن نفهم تخاذل النظم العربية إلي هذا الحد؟. وهل بوسع أي منها أن يضمن الحفاظ علي مصالحه إذا قدر للمشروع الأمريكي في العراق وللمشروع الإسرائيلي في فلسطين أن ينجحا؟. بالقطع لا. لكن العجز عن مقاومة أي منهما يضع هذه الأنظمة في موضع التواطؤ الكامل مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

في سياق كهذا يصبح من الطبيعي، عندما يتمكن مقاتلو حزب الله من القيام بعملية عسكرية نوعية تكبد العدو الإسرائيلي ثمانية قتلي وأسيرين من جنوده، أن تتطلع أنظار الأمة المستباحة إلي هؤلاء باعتبارهم الأبطال الحقيقيين المدافعيين عن شرفها.

 


الاسم :
البريد الالكتروني :
موضوع التعليق :
التعليق :


.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة المصرى اليوم  
و يحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مؤسسة  المصرى اليوم 

أتصل بنا

 | 

اتفاقية الاستخدام

 | 

الرئيسية

Site developed, hosted, and maintained by Gazayerli Group Egypt