لعل أخطر ما في الحرب الغاشمة التي تشنها الدولة العبرية في لبنان وفلسطين هو المنطق الذي تقوم عليه، وأخطر ما في هذا المنطق هو القبول العربي والدولي الرسمي المتزايد له فضلاً عن تبنيه من بعض الكتابات والتعليقات الصحفية والإعلامية العربية. والمنطق الإسرائيلي في الحقيقة قديم قدم الاعتداءات الإسرائيلية علي الشعب الفلسطيني وكل الشعوب والبلدان العربية التي طالتها، وهو يقوم علي محاور ثلاثة: الأول أن أي هجوم علي أي أهداف إسرائيلية عسكرية أو مدنية إنما هو «عدوان غير مشروع» جري العرف الإسرائيلي علي وصفه خلال السنوات الأخيرة بأنه «عمل إرهابي» أياً كان هدفه أو القائمون به، ويتمثل المحور الثاني في المنطق الإسرائيلي في أن الدولة العبرية تملك كل الحق في أن ترد وبالطرق التي تراها مناسبة علي أي فعل من هذا النوع بغض النظر عن تناسب هذا الرد مع الفعل «العدواني» أو «الإرهابي» حسب وصفها له. وهنا يظهر المحور الثالث في المنطق الإسرائيلي، وهو يرتبط مباشرة بالمدي الواسع الذي تذهب إليه الأعمال العسكرية الإسرائيلية التي تتم بحجة الرد، بما يؤدي عادة إلي تدهور سريع وحاد وواسع في الأوضاع الأمنية والعسكرية سرعان ما تحمل الدولة العبرية مسئوليته للجهة التي قامت بالهجوم الصغير الأول ضدها.
هذه هي المحاور الرئيسية للمنطق الإسرائيلي المستمر طيلة سنوات وعقود الصراع العربي - الإسرائيلي، وهي نفسها التي تكرر ترويجها مرتين خلال الأسابيع الأخيرة، المرة الأولي مع العدوان الواسع علي قطاع غزة بعد أسر حركة حماس الجندي الإسرائيلي هناك والثانية مع العدوان الأوسع علي لبنان بعد أسر حزب الله جنديين آخرين. والمشكلة ليست في أن تتبني الدولة العبرية في حربها ضد أطراف عربية مختلفة ما تشاء من منطق أو حجج لكي تبرر بها اعتداءاتها وتدميرها لكل قواعد القانون الدولي وحقوق الشعوب، ولكن المشكلة في أن ينتقل هذا المنطق الإسرائيلي شيئاً فشيئاً خلال السنوات الأخيرة لكي تتبناه معظم الأطراف العربية الرسمية وعديد من أطراف النخبة العربية السياسية والإعلامية والثقافية. وقد بدا هذا التبني العربي للمنطق الإسرائيلي خجولاً متردداً في الحديث عن العدوان الإسرائيلي الواسع علي قطاع غزة بحجة إطلاق سراح الجندي الأسير لدي حركة حماس، إلا أنه سرعان ما بدا أكثر وضوحاً وبجاحة بعد العدوان الإسرائيلي الأوسع علي لبنان بحجة إطلاق سراح الجنديين الأسيرين لدي حزب الله.
في كل الأحوال فقد راح العرب الرسميون والنخبويون الذين تبنوا هذا المنطق الإسرائيلي يحملون كلا من حركة حماس وحزب الله ما يجري في فلسطين ولبنان من اعتداء إسرائيلي واسع بات يهدد بحرب إقليمية حقيقية، متناسين الحقيقة الأولي البارزة في هذا السياق وهي أن ما قامت به الحركة والحزب من هجمات إنما كانت ضد قوات عسكرية إسرائيلية في مناطق محتلة حسب القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، الأمر الذي يضعها مباشرة ضمن عمليات المقاومة الوطنية المشروعة وليس الإرهاب كما يروج المنطق الإسرائيلي. أما الحقيقة الثانية التي يتناساها عرب المنطق الإسرائيلي فهي أن تلك الهجمات وما ترتب عليها من خسائر عسكرية إسرائيلية لا تتناسب علي الإطلاق مع العدوان الإسرائيلي الواسع علي غزة والأوسع علي لبنان وبخاصة تدمير البني التحتية وقتل المئات من المدنيين، وهو ما لا يمكن تحميل حماس وحزب الله مسئوليته ولا مسئولية ما قد يؤدي إليه من احتمالات حرب إقليمية شاملة، ستكون إسرائيل هي المسئول الوحيد عنها إذا ما تدهورت الأوضاع بما يوصل إليها.
إن العرب الرسميين والنخبويين المروجين للمنطق الإسرائيلي يستندون لتبرير تبنيهم له علي مقولة زائفة مفادها أن هجمات المقاومة الوطنية الفلسطينية واللبنانية ضد الأهداف العسكرية الإسرائيلية تهدد الاستقرار وإمكانيات "السلام" الكامنة في الوضع الراهن، فضلاً عن أنها تكلف الشعوب العربية أثماناً غالية بسبب حملات الانتقام الإسرائيلية. إن زيف تلك المقولة يأتي أولاً من تجاهل أصحابها حقيقة أنه لا يوجد اليوم سواء علي الجانب الفلسطيني أو اللبناني أو حتي السوري أي استقرار أو أي إمكانية ولو متواضعة للسلام أو حتي للتفاوض مع الدولة العبرية التي لا تزال تلك الأطراف الثلاثة في حالة حرب رسمية وعلنية معها. أما الزيف الثاني لتلك المقولة فهو يتأكد في حقيقة أن الآلة العسكرية الإسرائيلية لم تتوقف طيلة الوقت عن تكبيد الفلسطينيين واللبنانيين أثماناً فادحة لمجرد تأكيد سيطرتها وليس للرد علي أي عمليات مقاومة عسكرية يقومون بها، ولعل ما سبق عملية أسر الجندي الإسرائيلي في غزة من هجمات أودت بحياة عشرات من المدنيين الفلسطينيين هناك يؤكد ذلك.