هل يفرغ الزمان هذا البلد مصر المحروسة من شرايين الفضل والتحضر؟
هل يرحلون الواحد تلو الآخر حاملين معهم رحيق الحياة وصكوك الاستنارة ورسائل الاستكمال وثقافة التلازم فى كيمياء المصريين؟
ورغم تخطى الإمام الأكبر الدكتور سيد طنطاوى أعوامه الثمانين فإنه كان فى عنفوانه الفكرى المستنير مالكاً لقدرات خارقة على خوض المعارك، من أجل الكشف عن وجه الإسلام الحق الذى غير الدنيا. ملك أسلوباً هادئاً استطاع أن يكشف به فى أكثر من موقف عن وجه الإسلام المستنير أمام الردة والتطرف الذى يضرب الإسلام بالإسلام.
رحل الإمام الضرورة.. رحل الدكتور سيد طنطاوى، الذى تركنا والمجتمع يقتل بعضه بعضاً بفتنة مرسومة بخطة محكمة لا تنطفئ فى مكان حتى تندلع فى مكان آخر.. أصبحت الفتنة الطائفية ترسم خريطة مصر من أقصى الشمال الغربى فى مرسى مطروح مروراً بالإسكندرية نزولاً إلى البحيرة ثم عروجاً على الفيوم ثم سقوطاً مدوياً مزق الأمة وجدانياً وجسدياً فى نجع حمادى.. ناهيك عن أحداث الكشح!!
كان إمامنا الجليل يوسع الخطا ويذهب إلى كل مكان بهدوئه وحكمته وحرصه على أمن الوطن.. جعل من علمه وإسلامه المستنير القوى الإقناع ترسانة سلاح أمام الأحداث الطائفية الجسام.
الدكتور سيد طنطاوى الإمام رقم ٤٢ فى منارة الأزهر وحلقة فى سلسلة المستنيرين.. كان الباقورى يعتبره تلميذاً فى مدرسته التى تبث الإسلام، وكأنه الضياء فى الظلمة.
عرفته منذ أكثر من أربعين عاماً فى منزل مولانا الشيخ الباقورى.. والباقورى هو شيخى فى ظلمة المشاكل ونبراسى فى دروب الإسلام.
أحسست بتفتحه لقضايا خلافية حول الإسلام كانت تملأ صالون الباقورى نقاشاً وشرحاً حتى نصل إلى ضفاف الإصلاح.
ثم اقتربت منه بعد رحيل شيخى العظيم، وأنا ممن يؤمنون بأنه خاب من لا شيخ له، ولى شيوخ كثيرون فى كل نواحى الحياة، ولكن فى الدين اصطفيت بعد الباقورى السمح الذكى الهادئ الوقور الدكتور سيد طنطاوى.
أربعة عشر عاماً يمسك بزمام المشيخة، ونحن فى بلد ولع أبناؤه بالمعارضة.. واشتدت المعارك حول الشيخ، ولكن لم يهن أبداً ولم يضعف وظلت سيوف وحراب داخل عقله تخرج ليحارب من يحاربه بالحكمة ثم يغمدها إلى حين.
شيخنا رغم صعيديته القوية من منبته فى سوهاج فإن دراسته فى الثانوية الأزهرية بالإسكندرية جعلت البحر يعانق السخونة فينتج فكراً من نوع خاص، ورغم الصداقة القوية التى ربطت بينه وبين الشيخ القرضاوى وبين أسرتيهما فإنهما توقفا عند بعض القضايا الخلافية سياسياً مثل علاقته بإسرائيل وتقبله لمفردات السلام وتقبله منطق منع فرنسا للحجاب وفتوى الراحل العظيم حول فوائد البنوك.
ولكن القرضاوى تخطى خلافاتهما، لأن الراحل العظيم أعلن مرة أن الخلافات مطلوبة لإذكاء الفكر والتعمق فى البحث والتواصل الحضارى. اختلفت معه حول نظرته للصحافة وناقشته فى قضيته مع الزميل عادل حمودة وتدخلت للصلح، ولكنه كان محتقناً وانسحب من مناقشة القضية معى بسماح، وأهدانى كتابه (نساء تحدث عنهن القرآن) و(حديث القرآن عن الرجل والمرأة).
كان من رأيه أن الإسلام لم يمنع المرأة من أى عمل ولا أى وضع اجتماعى، وكانت له مقولة جميلة (كيف نمنع شريكاً فى الحياة من مفردات الحياة؟) وحينما هوجم لاستقباله حاخاماً إسرائيلياً وسلامه على شيمون بيريز رد بقوله «مادام ما أفعله يخدم السلام والقضية الفلسطينية فإن الإسلام يرحب بالحوار مع جميع الأديان والعقائد الفكرية»، وإنه مستعد أن يسافر إلى القدس لو كان فى سفره فائدة لحل القضية الفلسطينية.
وأبدى استعداده بقوة للسفر إلى العراق أثناء اشتعال الحرب بين الشيعة والسنة ليقرب من وجهات النظر، وكانت معركته التى هزت مجتمع المتشددين فى الإسلام، حينما قام فى ٥ أكتوبر عام ٢٠٠٩ بإجبار طالبة على خلع النقاب.
أما فتواه بجواز التبرع لبناء الكنائس فكانت من مفردات هذا الإمام الضرورة فى هذا الزمن الذى تمزقت فيه أوصال مصر بين مسلمين ومسيحيين، وأعلن رفضه لفتوى دار الإفتاء المصرية التى تحرم هذه الفتوى، وأن الوصية ببناء المساجد نوع من المعصية!! وأثبت أن الأخذ بفتوى المنع غير موقعة من المفتى، وتفقد شرعية الأخذ بها.
فكره المستنير لا يلخص فى عجالة هنا، وحزنى عليه لشديد بشكل شخصى، لأنه شيخى الذى ألجأ إليه كلما ضاقت الدنيا، وبشكل عام لأنه رجل متسع الأفق غزير العلم ونحن فى كثير من المحن التى يضرب فيها الإسلام بالتطرف كنا فى أشد الحاجة لهذا الإمام الضرورة.. تقبله الله مع الصالحين.
neamelbaz@yahoo.com