قليلة هى – بل نادرة – تلك اللحظات التى تنتابنى فيها الدهشة. وكثيرة هى المشاهد التى اعتدت على النظر إليها باعتبارها موجودات عادية مسلّماً بها.
الأسبوع الماضى عشت فرحة هذه اللحظات النادرة.. خمس دقائق فقط كانت عمر دهشتى الممزوجة بالفرحة والأمل، حين ألقيت نفسى ضمن جمع غفير يلتف حول الدكتور يوسف زيدان للتوقيع على أعماله فى معرض الكتاب. زيدان باحث وكاتب من المقام الرفيع، وهو من القليلين من الكتاب والمبدعين الذين يختارون قراءهم.. معه الكسالى يمتنعون.. لأنه يريد القارئ الذكى، النشيط، هذا الذى لا يبحث عن الإجابات الجاهزة عن الأسئلة العادية.
توقعت أن أجد جمهوره من الشيوخ والكهول، أو على أقل تقدير من أولئك الذين أفنوا قسطا معتبرا من العمر فى القراءة والبحث وطرح الأسئلة.
لدهشتى كان جُلّ جمهوره من الشباب الذين أتموا بالكاد عقدهم الثانى.. أجيال شابة واعدة.. ذلك الصبى الذى لا يزيد عمره على الثانية عشرة وتلك الفتاة التى لم تتعد العشرين.. ها هم يحيطون بتلك الهضبة الثقافية المسماة «يوسف زيدان»، لا يفتشون عن كتب دراسية أو مقررات من أساتذة يحشون بها عقولهم ويسكبونها على ورق الإجابة فى الامتحان.
إنهم ببساطة يريدون أن يحاوروه ويسألوه وينهلوا من نبع أفكاره، يعاتبوه على ظهوره الشحيح فى الندوات التى يقصدونها. كم نظلم أبناءنا والأجيال الجديدة حين نتهمهم بالسطحية والاستسهال وعدم القراءة!
أم اصطحبت ابنتها من الأقاليم إلى معرض الكتاب تشكو له أنهم هناك، بعيدا قليلا عن العاصمة، لا يصلهم الكتاب، زاد المعرفة، وأن المعرض هو فرصتهم السنوية الوحيدة للحصول على الزاد والزواد فيشدون الرحال إليه.
ملاحظتان بسيطتان خلال هذه الدقائق الخمس أثارتا شلالاً من التساؤلات عندى: أين يجد كل هؤلاء المواطنين المتناثرين على امتداد خطوط الطول والعرض فى بلادنا ما يحتاجونه من زاد ثقافى وفكرى؟ وإذا كانت الدولة بكل إمكانياتها قصيرة اليد ولا تطال تلك النقاط الجغرافية ولا تمتلك أدوات نشر الثقافة بإقامة معارض كتب أو عروض مسرحية متجولة فى الأقاليم أو بإثراء بيوت و«قصور» ثقافتها بمكتبات قيّمة تضم أحدث وأهم الإصدارات،
وإذا كان المشروع القومى الوحيد «القراءة للجميع» قد وقع فى براثن سماسرة الكتاب ولم يعد متوافرا فى الأسواق، وإذا كانت دور النشر الخاصة «تستبعد» المسافة من العاصمة إلى الأقاليم، ووضعت خططها التسويقية تحت نصل قانون الفائدة والجدوى الاقتصادية، وأصبح الكتاب - مثله مثل أى سلعة أخرى - خاضعاً لاقتصاد السوق.. فأين دور منظمات وهيئات المجتمع المدنى التى تتلقى دعما هائلاً وجزءاً من حصة ميزانية الدولة من المعونات الأجنبية؟
إن هذه المنظمات يفترض أنها منظمات وهيئات غير ربحية تسعى للنهوض بالمجتمع الذى تقوم فيه. وقد حصرت هذه الهيئات مجالات نشاطها، كما ألاحظ، فى فناءات تواكب صرعات الأفكار المستوردة مثل حقوق الإنسان والبيئة والأقليات وإجراء المسوح والدراسات الاجتماعية والإحصائية التى تشرح تفاصيل ومنظمات المجتمع المصرى. مع ذلك فبحوثها المتأنقة تلك لا تلامس احتياجات المجتمع المصرى.
لا مانع - مع ذلك - من الاهتمام بتلك الأفكار العالمية شريطة أن يتم توظيفها لخدمة المجتمع المصرى، بيد أن تلك الأفكار، وعلى الرغم من إنسانيتها الظاهرة، خادعة ومشهود لها بسوء السمعة ومفروضة من الخارج من قبل قياصرة النظام العالمى الجديد، حيث لا اعتراف بحدود جغرافية ولا سيادة أو هوية وطنية، ولا مكان لتقاليد ثقافية أو معتقدات دينية. فى يقينى أنه من واجب هيئات المجتمع المدنى الانتباه لمثل هذه المخاطر وأن تصطف لتلعب دوراً إيجابياً فى تأصيل الثقافة والهوية الوطنية ونشر الوعى بهما.
فالظمآن فى هجير الصحراء ولا يجد ماء نظيفا للشرب سيلجأ حتما إلى أقرب بئر عطنة يروى منه ظمأه.
هل من مجير لهؤلاء العطاشى بكوب ثقافة نظيف؟