فى أول يوليو المقبل، سوف يكون قد مضى ٢١٢ سنة على مجىء الحملة الفرنسية إلى مصر عام ١٧٩٨، وسوف يتجدد الكلام، وقتها، عن الأسباب الحقيقية التى من أجلها جاء نابليون على رأس حملته الشهيرة إلى القاهرة!
وفى عام ١٩٩٨، شهدت القاهرة خلافاً حاداً فى ذكرى مرور ٢٠٠ سنة على الحملة، بين فريق من المصريين كان ولايزال يرى أنها كانت حملة عسكرية مجردة، وغزواً حربياً صرفاً، وبين فريق آخر كان ولايزال يرى أن مجيئها كان فائدة لنا، وأنها فتحت القاهرة على العالم، وأنها جاءت إلينا بالمطبعة، لأول مرة، وأن علماءها الذين رافقوها قد أفادونا إلى حدود بعيدة.. وأنها.. وأنها.. إلى آخره!
وربما لم يلتفت أحد، من بين الفريقين، فى غمرة خلافهما، إلى «شىء ما» لايزال يربط بين الطريقة التى نتصرف بها، الآن، وبين الطريقة التى استقبل بها المصريون حملة نابليون، فى وقتها!
ففى ذلك الحين، كان قائد عسكرى إنجليزى قد جاء الإسكندرية، قبل الحملة بأيام، وراح يحذر المصريين فيها من غزو عسكرى فرنسى وشيك، ولكنهم لم يصدقوه، بل وأفهموه بطريقة معينة، أن هذا البلد، الذى هو مصر، يظل أرض السلطان - فى إشارة إلى السلطان العثمانى - بما يعنى أن أحداً لن يجرؤ على الاقتراب منه، مادامت هذه هى طبيعته، ومادام البلد هو أرض السلطان!
ولم تمر أيام، حتى كان نابليون فى الإسكندرية، وحتى كان قد غزا أرض السلطان فى ٤٥ دقيقة، ورغم خطورة هذا كله، فإنه ليس موضوعنا الآن، وإنما موضوعنا يتركز فى الطريقة التى رد بها أجدادنا المصريون، عندئذ، على «نابليون»، حين ألمح لهم، إلى أنه جاء إليهم، مبشراً بمبادئ الثورة الفرنسية التى كانت قد قامت فى بلاده، قبل مجيئه بعشر سنوات!
كانت مبادئ تلك الثورة، ثلاثة لا رابع لها، وكانت تدعو إلى إقرار «العدل» و«الإخاء» و«المساواة» بين الناس، وكان نابليون يتصور، أنه حين يأتى بهذه المبادئ فى يديه، وعلى لسانه، فسوف يكون طريقه إلى مصر، ثم إلى قلوب أهلها، مفروشاً بالحرير.. وقد اكتشف أنه كان ساذجاً للغاية، عندما رد المصريون مبادئه فى وجهه، ورفضوها، رغم أنه لم يكن يقول شيئاً، سوى أن الناس كلهم، فى أى بلد، يتعين أن يكونوا سواء، وأن يكون العلم، أو الموهبة، هما فقط سبب تميز أى إنسان على آخر!
ولكن كلاماً من هذا النوع، لم يعجبنا، وقتها، وأفهمناه بصنعة لطافة أن الإنسان عندنا يتميز على الآخرين، ليس بالعلم، ولا بالموهبة، وإنما بالمال أحياناً، وبالوظيفة الاجتماعية أحياناً أخرى، وبالوراثة أحياناً ثالثة، وبالسلطة أحياناً رابعة، وأنه، أى نابليون، يستطيع أن يضع مبادئه الثلاثة فى كوب ثم يشرب ماءها!.. فهكذا نشأنا فى بلدنا، متفاوتين، وسوف نظل!
من يومها، إلى هذه اللحظة، لانزال كلما جاء واحد يتكلم معنا، على طريقة نابليون، وكيف أن حقوق الإنسان، مثلاً، ليست شأناً مصرياً، ولا سعودياً، ولا تونسياً.. ولا.. ولا.. ولكنها شأن «إنسانى» بطبيعتها، أفهمناه من جديد أن عليه أن يراعى طبيعتنا الخاصة، وكأن تزوير إرادة الناخب - على سبيل المثال - فى أى انتخابات، شأن داخلى لا يجوز اطلاع أحد عليه!!