مشاهد حفلات التحرش الجماعي التي جرت وسط القاهرة أيام العيد، لو وردت في سياق رواية لنصبنا لكاتبها المشانق، واتهمته السلطات بالإساءة لسمعة مصر، التي لا يمكن أن ينحدر شبابها إلي هذا الدرك الأسفل من الانحطاط الخلقي، بحيث يسيرون في جماعات تتجاوز المائة، للتحرش الفظ بأي أنثي شاءت لها الأقدار أن تكون حينئذ وسط المدينة، بل ويصل الأمر إلي حد انتزاع ملابسها، والإمساك عنوة بمواضع العفة في جسدها، دون تمييز بين شابة وأخري في عمر أمهاتهم، أو بين محجبة ومتحررة.
لكن للأسف حدث هذا وسط القاهرة، وكنت قد قرأت عنه بعدة مدونات إلكترونية، ولم أصدق، وبتعبير أدق لم أكن راغباً بتصديق هذه الممارسات التي لم تعرفها مصر إلا في عصور الانحطاط كآخر أيام المماليك.
من هنا كان لزاماً أن أتحقق من صحة الأنباء بنفسي، وتوكلت علي الله قاصداً «وسط البلد»، التي كانت ذات زمن مضي نزهة الفقراء والأغنياء علي السواء، حتي أصبح مجرد السير فيها الآن مغامرة غير مأمونة العواقب، وهناك شاهدت أعداداً غفيرة من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين الثانية عشرة حتي الثلاثين، يسيرون جماعات كالقطعان، وبدا واضحاً أن روح القطيع استحوذت عليهم، وكانوا يهتفون بعبارات قبيحة لايمكن نشرها، ووسط هذا الهدير هناك صوت نسائي يصرخ مستغيثاً، ليتحول الشارع إلي ساحة «سعار جنسي»، بينما المارة يتمتمون بعبارات إبراء الذمة من طراز «لا حول ولا قوة»، أو حتي يشبعون فضولهم بمتابعة هذا المشهد العبثي الشرير.
وتضعنا ناشطة اسمها «فدوي» في قلب الأحداث عبر شهادتها التي نشرتها بمدونتها الإلكترونية: «ظللت لفتره مذهولة ومرعوبة، فهاتفت (مالك) وأخبرته بما يحدث وظل الأتوبيس واقفا لفترة، وأخذت أراقب الموقف، فوجدت أطفالاً ربما في العاشرة أو الحادية عشرة، يشجعون بعضهم علي الانضمام «يللا يا واد ندخل معاهم»، وينضمون بسرعة رهيبة للحشود، وأخذت أتامل ملامح الذعر علي وجه أم ممسكة بحرص شديد علي أيدي بناتها الثلاث كأنها تحاول إعادتهن لرحمها، وامتد الذعر إلي الرجال الذين يخرجون بصحبة بنات، فأخذوا ينكمشون أو يهرولون بسرعة لم أستطع رؤية وجوه الضحايا، لكنني كنت استمع للصرخات وأري الجموع الغفيرة وهي تجري مسرعة، «ياااه أعداد ضخمة جدا، أكثر بكثير من أكبر مظاهرة».
شهادة أخري من المنصورة تضمنتها مدونة «مالك» جاء فيها: «أرسلت لي صديقة من المنصورة رسالة ترجوني محادثتها تليفونيا، واتصلت بها لتسترسل في الحكي والكلام علي لسان الصديقة: خرجت ثاني أيام العيد بوسط البلد في المنصورة ضايقتني المعاكسات الشديدة من الشباب، وهذا أمر عادي يحدث يوميا لكل فتاة تقريبا لكنه راح يتطور للملامسة بالأيدي، لكن ما حدث لي فلم أكن أتصور علي الإطلاق أن يحدث مع أي فتاة، خاصة في الشارع، فأثناء رجوعي للمنزل ومعي صديقتي بعد أن زهقنا من المعاكسات المستمرة بالألفاظ النابية، كنا نسير في شارع جانبي، وظهر أمامنا شاب في العشرينيات، وعندما اقترب منا فوجئنا به يفتح (سوستة بنطلونه) ويخرج (...)، فصرخت أنا وصديقتي وجرينا ولما سألتها ليه ما قولتوش لحد من الشارع علشان يجروا وراه قالت: «كنا خايفين، أحسن نروح القسم ونشهد وهيكون شكلنا ساعتها وحش قدام البيت والأهل».
وفضلاً عما تضمنته المدونات الإلكترونية، فهناك شهادات سمعتها، إذ حرصت شخصياً كصحفي، علي التحدث مع الباعة الجائلين وأصحاب المحال وجنود المرور وغيرهم، وبدا لي أنهم جميعاً مصابون بصدمة مما حدث، خاصة أن الأمر لم يتوقف عند حدود واقعة وحيدة، بل تكرر علي مدي يومين علي الأقل، بنفس المجموعات الشبابية الرعناء التي لا يدري المرء إن كانت قد تشكلت عفوياً، أو أن هناك من هيأ لها الأمر، تمضي كالقطعان وسط القاهرة، وتهتف بعبارات قبيحة، وتتحرش بالإناث بوقاحة منقطعة النظير وسط سلبية رسمية وشعبية كأن شيئاً لم يكن، مما يعني أن خللاً يضرب روح هذه الأمة، وأن هذه السلوكيات ليست إلا إرهاصات أولية لقادم أسوأ، وهو باختصار ودون التفاف «سيناريو الفوضي»، سواء جاء في صورة «ثورة جياع» أو «انتفاضة حرامية» أو شعبية لا تهم المسميات، المهم أن هذه الوقائع فتحت جرحاً ظل كثيرون ينكرونه، بل ويستنكرون مجرد الإشارة إليه، وهو أن ظاهرة «الهوس الديني» المتفشية في شتي أنحاء مصر الآن، ليست سوي أكذوبة كبيرة، تواطأت عدة أطراف في ترسيخها، بين سلطة سبق لها ولجأت لأساليب مماثلة مع محتجين سلمياً أمام نقابة الصحفيين، وشعب يتفرج علي المشهد وهو يلعن الجميع، و«دعاة جدد» استغرقتهم شهرة لم ينلها كبار العلماء وقد زعموا أنهم أفلحوا في إعادة الشباب للمساجد، لكن من دون أي مردود أخلاقي، يمكن للمرء أن يلحظه في سلوك هؤلاء، رغم انتشار مظاهر التدين التي لا تخلو من شبهة ادعاء مثل «الزبيبة» و«الإسدال» وغيرها من الشكليات، التي لم تفلح في بناء ضمائر هؤلاء الشباب فتضع أيديهم علي جوهر السلوك القويم ممثلاً بأبسط معاني الأخلاق الإنسانية.
لكن الأمر أكبر من مجرد اختزاله برؤية أخلاقية فقط، إذ أن هذا «السعار الجماعي» ليس أكثر من جرس إنذار مبكر لسيناريو فوضي، ربما ينفلت معه الجائعون والمحبطون والمأزومون في ممارسات أخطر من التحرش بالإناث، كاقتحام البنوك والمحال وتحطيم السيارات والمرافق، والمخيف أن خيارات التعاطي مع هذا السيناريو المرعب لا قدر الله حدوثه، ستنحصر في خيارين لا ثالث لهما: إما أن يقفز التيار الانتهازي المتلفع بالدين للسطو علي مقدرات البلاد والعباد، أو أن يتدخل الجيش لضبط الأوضاع، وهذا هو الأرجح، ولكن هذا أيضاً سيجهض أي بارقة أمل بإمكانية إجراء إصلاح ديمقراطي في أطر سلمية.
المطلوب الآن باختصار هو تقصي حقيقة ما حدث بموضوعية وشفافية، ونواجه أنفسنا بالحقائق تمهيداً لبحث سبل التعامل مع الأمر، ليس من أجل منع تكراره فحسب، بل حتي لا يتفاقم ويؤدي لما هو أسوأ.