ليس عنواني ولكنه عنوان الكتاب القيم الذي ألفه الدكتور جلال أمين ونشر عام ١٩٩٨ في مطبوعات الهلال، وهو الكتاب الذي يتأمل فيه الكاتب أحوال المصريين وتطور المجتمع المصري في نصف قرن «١٩٤٥-١٩٩٥»، والكتاب ممتع بحق لأنه يمزج الشخصي والسياسي فيطرح أكبر قدر من المصداقية والموضوعية. ولكن يبدو أن المؤلف لابد وأن يعيد النظر في كتابه ليضيف له الكثير والكثير، فإذا كان يمكن الحديث عن نصف قرن دفعة واحدة، فربما يجب إفراد مؤلفات خاصة للخمس سنين الأخيرة، خاصة فيما يخص «مركز المرأة» وهو عنوان فصل كامل في كتاب الدكتور جلال أمين.
ربما لم يعرف أحد ما حدث في أيام عيد الفطر وذلك ببساطة لأن الصحف بأكملها لم تنشر حرفاً واحداً عن الكارثة التي وقعت. أن تكون دور السينما بوسط المدينة مزدحمة أمر عادي في العيد، وأن يحدث تدافع شديد فهذا أيضاً قد يدخل في عادية الأمور، أن يتم تحطيم شباك التذاكر بالسينما قد يبدو غير مألوف، ولكن أن يندفع مئات الشباب بشارع طلعت حرب وتقاطعات الشوارع مع عبدالخالق ثروت ليضربوا دوائر وحلقات حول النساء في الشارع وتبدأ أكبر حفلة لانتهاك العرض فلا أعتقد أن هذا عادي «أم عادي؟!».
لا يعرف أحد كيف بدأ الأمر كله، كل من شاهد هذه الوقائع لم يستطع أن يحدد نقطة البداية، واتفقت الآراء أن مئات الشباب كانوا يرتعون في وسط المدينة وانضم لهم أطفال «في سن العاشرة أو ما يزيد» في ثورة عظيمة ونجحوا في اصطياد كل من أوقعها حظها العاثر في تلك المنطقة أول يوم العيد مساء. ولكي ننفي كل الاحتمالات الجاهزة والتحليلات الرائعة نقول: لم تكن كل هذه النساء يسرن بمفردهن، البعض كان مرافقاً للزوج أو الأخ أو الأب، والأمر الثاني وهو الأهم لدفع تهم إلقاء اللوم علي النساء «وهي تهمة معروفة وسهلة ومريحة» أن هؤلاء النساء كانت منهن: محجبات وغير محجبات، منتقبات، ومرتديات الإسدال، والعباءات الخليجية، الأمر إذن سيان ولا علاقة له بما ترتديه المرأة لكي لا نخوض نقاشاً عقيماً لا يفضي لشيء.
هذه ثورة جماعية بدأت من حوالي الثامنة واستمرت إلي ما بعد منتصف الليل تقريباً، وتكررت في اليوم الثاني في ميدان عبدالمنعم رياض، وفي اليوم الثالث علي كوبري عباس «الكوبري الشهير في الحركة الطلابية الأربعينية التي شاركت فيها المناضلة لطيفة الزيات!» وبالطبع الجميع يعرف من هو عبدالمنعم رياض وطلعت حرب! «ماذا حدث للمصريين يا دكتور جلال؟». العارفين بالأمور يؤكدون أن أموراً مثل هذه تحدث في العيد «تعبيراً عن الفرحة ربما؟» ولكن بهذا الشكل الجماعي الذي تحول بعد قليل إلي شكل منظم؟ التفاصيل مريعة ومرعبة ومقززة ومخيفة ولمن هو مهتم فعليا بما حدث عليه أن يطالع مدونة مالك مصطفي علي الإنترنت وعنوانها هو:
malek_x.nit، بالصدفة كان مالك ومجموعة من أصدقائه المدونين متواجدين في تلك المنطقة حين وقعت هذه الكارثة، وقد نجح مالك في تسجيل كل ما شاهده بدقة، وبالإضافة إلي أهمية التغطية التي قدمها هناك أيضاً التعليقات علي الموضوع والمنشورة أسفله مباشرة والتي تبشر بجيل متخلص من كل اللغة القديمة التي تدور في فلك إلقاء اللوم علي النساء، بل هي لغة تري بالفعل الانهيار الحادث «وليس الذي سيحدث».
السؤال الذي يتبادر إلي الذهن فوراً: أين كان الأمن؟ وهو سؤال بديهي، فالأمن الذي يتواجد بكثافة معهودة أثناء المظاهرات والاعتصامات وكل أشكال التعبير عن الرأي المخالف اختفي في ذلك اليوم، اختفي تماما ربما كان الأمر عادياً أيضاً بالنسبة للأمن، فهو مشكور، أول من قدم هذا النموذج مع الصحفيات في يوم الاستفتاء الشهير بالأربعاء الأسود، لا عجب إذن أن يكون ذلك هو جواز المرور لمثل تلك الممارسات، والأمر بالطبع لا يهم الأمن كثيراً لأنه يتعلق ببضعة نساء والمسألة كلها لا تشكل أي خطورة أمنية علي استقرار البلاد.
ورغم كل ذلك فقد أكدت الصحف في اليوم الأخير لرمضان أن الأمن استعد لمواجهة حالة طوارئ، ولكن النساء وأمنهن لا يدخلن في الطوارئ كما يبدو.
أما السؤال الثاني فهو: من هم هؤلاء الشباب؟ فالشوارع التي حدثت بها هذه الكارثة كانت تموج بهؤلاء «الجياع» كما سمتهم معظم المدونات ولكنها أيضاً أي الشوارع كان بها من أسرع لإنقاذ هؤلاء النساء مثل سائقي التاكسيات وحراس العمارات والأمن الخاص بإحدي البنوك وأصحاب المحال والمطاعم وأخيراً شباب المدونين. من هم إذن هؤلاء الشباب «الجياع»؟ هل هم القادمون من المناطق العشوائية بهدف قضاء العيد في المدينة؟
هل هم الشباب العاطل عن العمل وكانت تلك فرصته الذهبية؟ أياً كانت الأرضية التي جاء منها هؤلاء فهم بالتأكيد أناس محرومون من حياة إنسانية كريمة توفر الحد الأدني من الإحساس بالذات، محرومون من كل شيء اقتصادياً ومعنوياً وعاطفياً وتعليمياً وترفيهياً ونفسياً فكانت تلك اللحظة هي فرصة للانفجار والإشباع. وهنا يظهر تقصير الدولة في أداء أدوارها رغم تغنيها الدائم والأبدي بالشباب. لا عجب إذن أن الصحف لم تنشر كلمة واحدة، فالأمر يثير الفزع ويفتح أبواباً لحديث لن يرحب به أي طرف من أطراف اللعبة.
أما السؤال الأخير فهو عن موقف الصحف من المدونات. شئنا أم أبينا تحولت المدونات إلي صحافة شعبية موازية لابد من أخذها مأخذ الجدية، ليس فقط لأنها تتضمن ما لا تتضمنه الصحافة الرسمية المستقلة، ولكن لأنها أيضا تعبر عن رأي قطاع كبير من جيل جديد لم يعتمد علي الإرث الثقيل الذي تركه له الجيل الأكبر، ولكنه بدأ من الصفر حيث يقوم بمراجعة كل السائد والنمطي ليصنع فكراً جديداً خاصاً به.
ماذا حدث للمصريين يا دكتور جلال؟ هل وصلنا إلي تلك المرحلة التي ينتهك فيها عرض النساء في الشوارع وسط ترحيب وتصفيق وصفافير وتهليل؟ أم أوصلتنا الدولة لذلك؟ ماذا حدث؟.