المصرى اليوم
                   تاريخ العدد       الخميس   ٢   نوفمبر   ٢٠٠٦     عدد    ٨٧٢  
ابحث
English   الرجوع لعدد اليوم
 أعداد سابقة  

  الآنتقال الى

المواضيع الرئيسية
الرئيسية 
رسالة من المحرر 
قضايا ساخنـــــة  
اخبــار الوطن  
رياضــــــــــــة  
اقتصــــــــــاد  
مساحـــــة رأى  
حوادث و قضايا  
اخبــــار العالم  
حوار  
السكوت ممنوع  
صفحات متخصصة  
فنون  
أعمدة العدد
  خط أحــــــــمر
  ٧ ايام
  خارج النص
  إززززز



الرئيسية | مساحـــــة رأى
اطبع الصفحة  ارسل لصديق  اضافة تعليق


الفوضي «غير الخلاقة»

  بقلم   د.عمرو الشوبكي    ٢/ ١١/ ٢٠٠٦

حين كتبت الأسبوع الماضي مقالا حول تحلل الدولة، اتصل بي عقب قراءتها مباشرة مساء الأربعاء الصديق هاني عنان ليخبرني بما جري في وسط القاهرة أول يوم العيد ويربط بين ما أشرت إليه في هذا المقال حول التدني المذهل في الأداء العام والذي «اتضحت مظاهره في شكل القاهرة الجديد الذي تحول إلي ساحة حربية للعراك اليومي»، وبين ما جري وسيجري في الواقع، ويطلب مني أن أدخل علي موقع الوعي المصري، وأملاني عبر الهاتف اسمه الإلكتروني لأكتشف حجم المأساة الأخلاقية التي يعيشها المجتمع، والانهيار الأمني الذي لم تشهده البلاد من قبل في مشهد مروع سيتكرر ما هو أسوأ منه في المستقبل القريب.

وقد تلقيت تعليقات شديدة الإيجابية من عشرات الزملاء ومن قارئين مخلصين لـ «المصري اليوم» لم أعرفهم (هذه هي المرة الأولي وغالبا الأخيرة، التي سأشير فيها إلي ردود أفعال علي ما كتبت) اعتبروا فيها هذا المقال قراءة لما يحدث وتنبؤا بما سوف يحدث «تحول البلطجة إلي طلقات رصاص»، وبدا ما شاهدناه في أسبوع واحد فقط ، أمرا لم نشاهده منذ عقود.

والواقع أن الفوضي غير الخلاقة التي دخلت مصر مراحلها الأولي، لا أمل في مواجهتها إذا استمرت نفس الطريقة التي يدير بها النظام الحالي شؤون البلاد، فالمسلسل اليومي لأحداث الأسبوع الماضي بدأت بمعارك بالرصاص الحي في المنوفية سقط فيها ثلاثة مواطنين، ثم التحرش والاعتداءات الجنسية الفاضحة التي شهدها وسط القاهرة أول يوم العيد وبعد شهر الصيام الفضيل، ثم حادثة المنيا البشعة التي راح ضحيتها ستة مواطنين يمثلون أسرتين من عائلة واحدة، ومنهم أرملة وأطفال لم يشفع لهم صغر العمر أو كبره، من عدوان القاتل والذين تواطؤوا معه، وأخيرا جاءت حادثة طرة التي جري فيها إطلاق رصاص بين محتكري الأسمنت أدي إلي مصرع ثلاثة أشخاص وحرق العديد من السيارات علي كورنيش القاهرة.

والرابط بين كل هذه الحوادث هو غياب الأمن، في كل ما يتعلق بالقضايا غير السياسية، في حين أنه قادر في دقائق معدودة أن يحاصر مظاهرة لمائة شخص بخمسة آلاف جندي، ولكنه غير راغب في حماية المواطنين من شر المتحرشين في وسط القاهرة أو من شر أبويعقوب في المنيا وغيرهم من الخارجين عن القانون.

وإذا كان من المؤكد أن هناك قراءة سياسية حكومية تري من الأفضل أن نترك المصريين يتصارعون ويقتتلون فيما بينهم، و«سنتحرك بعد انتهاء الحدث» بعد أن «يكونوا خلصوا علي بعض»، فإن الانهيار الحادث لم يعكس فقط هذا الموقف، إنما عبر عن عدم القدرة (نتيجة عدم الكفاءة وغياب المحاسبة) علي التعامل الكفء مع ما يجري من مشكلات اجتماعية لأنها أصبحت في غير قدرة أجهزة الأمن المشغولة باعتقال النشطاء السياسيين والاعتداء عليهم، وتخريب الأحزاب أو «تأمينها» بحيث صار من المستحيل أن تقوم بعملها «السياسي» بكل هذه الهمة والنشاط، وأن تنجح أيضا في دورها الأصلي في حماية المواطنين وأعراضهم والدفاع عن حقوقهم.

والواقع أن هذا الانهيار في الأداء العام أدي إلي غياب ثقة المواطنين في الدولة، فتعاملوا كأنها غير موجودة، فأصحاب الحظوة يحصلون علي حقوقهم بذراعهم، أو بنفوذهم وأموالهم، أما المواطنون من أبناء هذا الشعب فهم مغلوبون علي أمرهم يعترضون همسا أو صراخا علي هذا الوضع دون أن يجدوا آذاناً صاغية أو جدوي، فصاروا يحتذون بالكبار وبدأوا في ممارسة نفس السلوكيات علي «المستوي الشعبي»، فانتشرت أعمال البلطجة والرشوة والابتزاز وصارت بمثابة «مشاريع المواجهة» التي يمتلكها الفقراء لمواجهة أصحاب السطوة والنفوذ.

ومن المؤكد أن ما نجح فيه النظام علي مدار ربع قرن من القضاء علي السياسة والسياسيين، وحصار الأحزاب والنقابات، والقوي الإصلاحية الجديدة كحركة كفاية، وحركة ٩ مارس لاستقلال الجامعات، ونادي القضاة، والقوي المؤثرة في الشارع السياسي كجماعة الإخوان المسلمين، وإعطاء رخص لأحزاب وهمية وحظرها عن قوي تحاول أن تكون حقيقية أو علي الأقل تتسم بالجدية (الوسط والكرامة والجبهة الديمقراطية)، بالإضافة لحملات التشهير والسباب التي تعرضت لها التيارات الإصلاحية.

والحقيقة أن «تدمير النخبة السياسية» جعل مصر لأول مرة في تاريخها بلا وسيط سياسي بين النخبة والجماهير، فسيطرت مجموعة الموظفين المطيعين محدودي الكفاءة علي جهاز الدولة طوال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، ثم ظهرت مجموعة التوريث لتحل بدرجة كبيرة محل النخبة القديمة، وكلاهما لكي يستمر كان لابد أن يجري عملية تجريف سياسي للمجتمع.

وإذا أخذنا النقابات العمالية كمثال، سنجد أنه تم القضاء علي الاتحادات المستقلة لأنها مصدر خطر أمني وصداع في رأس النظام، لأنها ستتفاوض وستضغط بوسائل منظمة ومشروعة من أجل تحقيق بعض المكاسب السياسية والنقابية للعمال، وهو نفس الأمر الذي حدث ولو بشكل مختلف في النقابات المهنية المجمدة، وبما أن النظام غير سياسي أصلا، ففضل القضاء علي هذا الوسيط السياسي داخل النقابات، ولم يعد أمام الناس إلا الاجتهاد بطريقه فردية لمواجهة أي قهر سياسي أو اجتماعي أو إداري يقع عليهم، عن طريق استدعاء البعض لبلطجية يأخذون لهم حقوقهم أو يمارس البعض الآخر ابتزازاً في الصحافة الصفراء، لمواجهة خصومة أو مغتصبي حقه، وطالما أن حكم المحكمة سيستغرق سنوات إذا حكم لصالحة، فمن غير المؤكد أن تقوم أجهزة الأمن بتنفيذه، فاجتهد كل مواطن بطريقته لانتزاع ما يراه حقا لنفسه.

والمؤكد أن غياب ما يعرف بالطبقة السياسية، مع غياب ما يعرف بهيبة الدولة وتطبيق القانون، جعل المجتمع يعود إلي فطرته الأولي فحاول كل فرد أن يأخذ حقه بذراعه، واتسم كثير من ردود الأفعال بالعنف والقسوة والبدائية، وتحول التطاحن الداخلي الذي شغل المصريين وما زال عن مواجهة السلطة، إلي تطاحن خطر بات يهدد سلامة المجتمع من أساسه.

وإذا كان انشغال المصريين بمعاركهم الصغيرة، وابتعادهم عن السياسة والمشاركة في القضايا العامة، إحدي نتائج هذا العهد، فإن هذه الصيغة أي ترك المصريين لقدرهم اليومي باتت عاجزة عن الاستمرار وأن خطر التحلل والانهيار التام والفوضي الهدامة باتت كلها علي الأبواب وأن النظام الذي انشغل بحصار السياسيين سيكتشف أسرع مما يتخيل حجم الجريمة التي حدثت بحق الشعب المصري حين ترك وحده يصارع هموم الحياة اليومية بلا قدوة ولا نخبة.

 

 


الاسم :
البريد الالكتروني :
موضوع التعليق :
التعليق :


.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة المصرى اليوم  
و يحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مؤسسة  المصرى اليوم 

أتصل بنا

 | 

اتفاقية الاستخدام

 | 

الرئيسية

Site developed, hosted, and maintained by Gazayerli Group Egypt