كأن العالم قد أصيب بنوبة إغماء.. لا حياة ولا موت، لا هي شهوة الأمل ولا هي راحة اليأس.. وكأن الناس قد أعجبتهم تلك المتعة الكامنة في نصف الوعي، فلا رغبة حاسمة في أي شيء. علم يجاور الجهل، ولين يوازي التطرف.. قنابل تسكن أغصان الزيتون وصواريخ تحمل اسم الله في كل مكان!
هنا تجيء الوقفة.. ما الذي يجري في العالم؟ حوار أم صدام؟ حرب أم سلام؟ أين الدين وأين الدنيا؟ وأين المستقبل بين حشود الغافلين؟
وهنا تجيء هذه الورقة الضافية للعالم الكبير الدكتور أحمد زويل، لتنبه الناس وتزيل الالتباس، وتضع أسساً لحوار يقوض حالة الارتباك والاشتباك.
تقع الورقة التي تنشرها «دار الشروق» نهاية العام وتحمل الرقم (١) في سلسلة محاضرات أحمد زويل في (٢٦) صفحة من القطع المتوسط، عنوان الورقة «حوار الحضارات.. صناعة التاريخ برؤية عالمية جديدة»، وقد ترجم النص من الإنجليزية إلي العربية الدكتور مصطفي محمود سليمان أستاذ الجيولوجيا والمترجم العلمي المعروف.
يناقش الدكتور زويل في ورقته «حوار الحضارات» الأطروحات الفكرية الرئيسية في الغرب من «صدام الحضارات» إلي «نهاية التاريخ» إلي مقولات «العولمة».. يقول الدكتور زويل: «إن هذه الورقة تعني بالأبعاد الواقعة خارج نطاق العلم، وبالتحديد مسألة تواجدنا كبشر في حضارات وثقافات متباينة، قد تجد أو لا تجد نفسها في حالة من التناقض والصدام»، ويشير د.زويل إلي مؤتمر اليونسكو في باريس عام ٢٠٠٢، الذي انعقد تحت عنوان «العلم والمتطلبات الروحية»، مركزاً علي البعد الروحاني، وهو مجال يقع خارج نطاق العلم واهتماماته.
يقول الدكتور زويل: «إني أري في هذه المسائل قضايا معقدة، إلا أنها التعقيدية التي تستلزم طريقة منطقية جديدة ومنفتحة، في بحثنا عن التفاهم الإنساني وبحثنا عن الحقيقة، وتشكل خبرتي حتي الآن بثلاث ثقافات علي الأقل وهي المصرية والعربية الإسلامية ثم الأمريكية، هادياً ومرشداً لأفكاري واهتماماتي».
ثم يدلف د.زويل إلي نظرية «صدام الحضارات» التي قال بها العالم السياسي الأمريكي صمويل هينتجتون ونظرية «نهاية التاريخ» التي قال بها المؤرخ الأمريكي فرانسيس فوكوياما.. ثم يقول: «لقد ناقش كل من المؤلفين فكرته بإيمان راسخ، برغم أن هذه الأفكار مثيرة للجدل والخلاف، وكعالم فإني لم أجد أساساً فيزيائياً أو فلسفة طبيعية أساسية لتلك المفاهيم، وبتعبير آخر ليس هناك مبدأ أو قانون أساسي في الحضارات يجعلها في حالة صدام مع بعضها البعض كما لا يوجد قانون أساسي يحتم نهاية التاريخ بنظام واحد علي حساب جميع الأيديولوجيات».
ثم يذهب د.زويل إلي ذكر الأساس الثقافي والاقتصادي والسياسي الذي أدي إلي الخلل في النظام العالمي المعاصر، ذلك أن الجهل النسبي بالحضارات أو التذكر الانتقائي للماضي والافتقار إلي رؤية الأشياء وفقاً لعلاقاتها الصحيحة، كما أن البؤس الاقتصادي والظلم السياسي اللذين يعاني منهما «عالم الذين لا يملكون»، والذين يشكلون نحو ٨٠% من سكان العالم في كل القارات ومختلف الثقافات، إنما تشكل جميعها حواجز تحول دون الوصول إلي حالة متقدمة من النظام العالمي، وإذا ما تخطينا تلك الحواجز، فإننا سوف نصل إلي وضع أفضل في حوار الحضارات.
* الحضارة
لفظ «الحضارة» يعني في التعريف القاموسي حالة متقدمة لمجتمع إنساني ترتقي فيه الثقافة والعلم والصناعة وأسلوب الإدارة والحكم، وعلي المستوي الفردي نكون متحضرين حينما نبلغ وضعاً أو حالة متقدمة نتمكن فيها من الاتصال بالآخرين من ذوي العادات والثقافات والديانات المختلفة وأن نحترمهم.
ينطلق د.زويل بعد توصيف معني «الحضارة» إلي أن صدام الحضارات ليس حتمياً، وأن التاريخ يحدثنا عن العديد من الحضارات التي تزامنت في الوجود بدون أن تقع بينها صدامات ذات شأن خطير.
* أطروحة هينتجتون
يذهب صمويل هينتجتون في أطروحته حول «صدام الحضارات» إلي أنه في فترة ما بعد الحرب الباردة، لم تعد الاختلافات الجوهرية بين البشر اختلافات أيديولوجية أو سياسية أو اقتصادية، وإنما هي اختلافات وفوارق ثقافية، فقد بات الناس يعرفون أنفسهم بلغة الأنساب والدين واللغة والتاريخ والأعراف والنظم الاجتماعية، وقسم هينتجتون العالم إلي حضارات كبري هي: الغربية، الأرثوذكسية، الصينية، اليابانية، الإسلامية، الهندوسية، اللاتينية، الأمريكية، الأفريقية.
* نقد أطروحة هينتجتون
يقول د.زويل في ورقته «حوار الحضارات»: «إنني أجد العديد من الصعوبات في تحليل هينتجتون»، ثم يطرح ثلاثة تساؤلات أساسية يقول إنها تشكل موقفه من هذه القضية، التساؤل الأول: ما هو الأساس الذي بني عليه هينتجتون تقسيم هذه الحضارات؟ والتساؤل الثاني: هل من الضروري أن تنشأ التصادمات بسبب الفوارق الثقافية؟ والتساؤل الثالث: ماذا عن ديناميكيات الثقافات أو حركيتها؟.
* السؤال الأول
في شأن تقسيم «هينتجتون» للحضارات يقول د.زويل: «لقد تمرس الناس المنتمون لحضارات مختلفة علي ثقافات متباينة، ولايزالون كذلك، وقد تتأثر الأمم في القارة نفسها بحضارات مختلفة.
وفي حالة من الميلاد حتي وقتنا الحاضر، فإنه بإمكاني أن أعرف نفسي كمصري وعربي ومسلم وأفريقي وآسيوي وشرق أوسطي ومتوسطي، ثم أمريكي، فإذا مانظرنا عن قرب إلي واحدة فقط من تلك الحضارات، فإني ألاحظ أن المصريين ينتمون إلي حضارة فعالة، أي متميزة بفاعلية مستمرة أو تغير مستمر، ذات تراث حضاري متعدد الثقافات: فرعونية وقبطية وعربية وإسلامية، بالإضافة إلي تأثير الفارسية والهلينستية والرومانية ثم العثمانية، وينطبق هذا القول علي الحضارة الأوروبية والحضارة الأمريكية وأخري في مختلف القارات، والثقافات الغربية في أوروبا وأمريكا واستراليا، ثقافات بعيدة عن التماثل والتجانس، فإذا ما أخذنا في الاعتبار عدد الثقافات في أوروبا والولايات المتحدة لوجب علينا أن نتوقع حدوث صدام حضارات في داخل الحضارة الواحدة، بدون النظر إلي الحضارات السبع الأخري التي ذكرها صمويل هينتجتون، وفي حقيقة الأمر فإن القوي التي تربط الثقافات والحضارات ليست ناتجة عن مثل هذه التقسيمات البسيطة».
* السؤال الثاني
يقول صمويل هينتجتون: إذا ما فقدت الولايات المتحدة الأمريكية تراثها الأوروبي (اللغة الإنجليزية والدين المسيحي والمذهب البروتستانتي) وعقيدتها السياسية (ممثلة في الحرية والمساواة) تعرض مستقبلها للخطر. يسأل د.زويل: هل من الضروري أن تنشأ التصادمات بسبب الفوارق الثقافية؟ ويجيب: «من وجهة نظري الشخصية فأنا لم أكن أتحدث الإنجليزية حينما جئت إلي الولايات المتحدة، ولست مسيحياً، ولم أدرس المذهب البروتستانتي، ومع ذلك فقد دمجت نفسي في ثقافة مجتمعي الأمريكي الجديد مع احتفاظي بثقافتي أو بالأحري ثقافاتي الأصلية، وأعتقد أن ثقافتي الشرقية والغربية قد استفادتا من ذلك التزاوج الثقافي دون أن يقع بينهما صدام.
ومن منظور أكثر رحابة فإن قوة أمريكا تكمن تقليدياً في كونها «البلد البوتقة» التي ينصهر فيها المهاجرون علي اختلاف أعراقهم وثقافاتهم في مواطنية واحدة، وقد أثريت الأمة الأمريكية، ولا تزال، بتعدد الأعراق وتنوع الثقافات لمواطنيها، ونتيجة لذلك كان التسامح بين أتباع الديانات والثقافات المختلفة جزءاً من نسيج الحضارة الأمريكية، فإذا ما تهيأ للناس العيش في نظام دستوري سليم تسود فيه الحرية والمساواة، لم تعد الصدامات بين المواطنين شيئاً أساسياً، وإن ظلت مشكلات أخري قائمة».
* نقد الاستعمار
يخشي د.زويل من أن تكون نظرية صدام الحضارات بداية مشروع إمبريالي جديد، حيث تذهب الحضارات الأقوي لاستعمار الحضارات الأصغر، طارحاً فكرة التكامل الحضاري بديلاً عن الصدام، وواجه في التاريخ والسياسة ما لا يناقض فكرة التكامل.
يقول د.زويل: «في نطاق العلاقات الدولية.. لا يتضح لي سبب تحصيل الحضارات قوتها من خلال «الاستعمار» علي حساب الآخرين، ويمكن للثقافات والحضارات أن تكون في قمة ازدهارها، وفي نفس الوقت تتعايش في تآلف وتوافق مع غيرها، وحتي يمكن أن تتمم تلك الحضارات بعضها بعضاً، وتعد الولايات المتحدة واليابان وأوروبا أمثلة لذلك التعايش النافع القائم علي جسور اقتصادية وثقافية، ومفتاح الوصول إلي هذه الحالة لدولة ما هو أن تكون جزءاً من نظام عالمي متعاون يحافظ علي الحرية الإنسانية والعدل وأن تنفذ قراراتها وأعمالها وفق خطة زمنية محددة، وقد يصعب الوصول إلي ذلك والتسليم به إلا أنني أعتقد أنه بإمكان قيادة واعية ذات رؤية عالمية أن تجعله في حيز التنفيذ».
* السؤال الثالث
يناقش د.زويل في هذا الجزء من الورقة فكرة ديناميكيات الثقافة أي حركيتها.. يقول: «الثقافات ليست كيانات ساكنة أو راكدة، إنما تتغير باستمرار مع الزمن، وتنضبط درجة تغيرها بعوامل أو قوي سياسية واقتصادية، ودعنا نأخذ موطني الأصلي بعين الاعتبار، فالحضارة المصرية قد ظهرت منذ فجر التاريخ الإنساني، وسادت العالم آلاف السنين، لكنها أصبحت في وقتنا الحالي دولة نامية، ولا يعني ذلك أن مصر قد فقدت حضارتها، ولكنها مثل غيرها، قد تغيرت مع الزمن بفعل عوامل أو قوي داخلية وخارجية، أو بمعني آخر فإن الحالة المعاصرة لم تنشأ بسبب عيب أو خطأ بشري أو خلل جيني أو ما شابه ذلك، إنما جاء نتيجة للتغيرات غير المواتية للزمن بالنسبة لهذه الحضارة وأبنائها».
* أوروبا
يقدم د.زويل نموذجاً آخر لما يشرح، يقول: «هناك أمثلة أخري معروفة جيداً للتغيرات الثقافية في أوروبا وأجزاء أخري من العالم، غير أن ديناميكيات تلك التغيرات قد تختلف من مكان لآخر، والاختلاف هنا هو اختلاف في المقاييس الزمنية والقوي التي أحدثت هذا التغير، ومع ذلك فإنه لا يمكننا أن نعزي ديناميكيات التغير في جميع الحالات إلي الأحوال الداخلية وحدها لأي من تلك الثقافات، ويجب أن نأخذ في الاعتبار دور التفاعلات السياسية والاقتصادية في داخل الثقافة وبينها وبين الثقافات الأخري المعاصرة لها، وعلي سبيل المثال فثقافة الناس في كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية ثقافة متماثلة، ولكن التباين في الرقي والتقدم بين الكوريتين عظيم، والذي يعزي إلي عوامل اقتصادية وسياسية. وينطبق نفس القول علي ألمانيا بشطريها قبل ان يتحدّا».
* شرق وغرب
يصل د. زويل في تحليله الممتد لنظرية «صدام الحضارات» إلي فكرة تبادل الأدوار الحضارية، يقول: «إن سكان العالم الذين لا يملكون لم يكونوا كذلك طوال تاريخهم، فخلال العصور الوسطي الأوروبية، وهي الفترة التي شهدت قمة ازدهار الحضارة الإسلامية، كان معظم الأوروبيين لا يملكون، أما الآن فإن معظم دول العالم الإسلامي دول نامية وتضم قطاعاً عريضاً من السكان الذين لايملكون. وقد يرجع البعض ذلك إلي عيب أو خلل في قيم ومبادئ الدين الإسلامي وهذا خطأ.
وقد يكون من المفيد بالنسبة لي كمسلم مثقف «برغم أنني لست متخصصاً في العلوم الإسلامية» أن ألقي ضوءاً علي بعض مبادئ الإسلام وحضارته الديناميكية، والتي يساء فهمها، وهذا من المناسب أيضاً لاسيما أحداث الحادي عشر من سبتمبر المأساوية في نيويورك وواشنطن وآثارها مرتبطة في عقول كثير من الناس بالإسلام».