كأن العالم قد أصيب بنوبة إغماء.. لا حياة ولا موت، لا هي شهوة الأمل ولا هي راحة اليأس.. وكأن الناس قد أعجبتهم تلك المتعة الكامنة في نصف الوعي، فلا رغبة حاسمة في أي شيء. علم يجاور الجهل، ولين يوازي التطرف.. قنابل تسكن أغصان الزيتون وصواريخ تحمل اسم الله في كل مكان!
هنا تجيء الوقفة.. ما الذي يجري في العالم؟ حوار أم صدام؟ حرب أم سلام؟ أين الدين وأين الدنيا؟ وأين المستقبل بين حشود الغافلين؟
وهنا تجيء هذه الورقة الضافية للعالم الكبير الدكتور أحمد زويل، لتنبه الناس وتزيل الالتباس، وتضع أسساً لحوار يقوض حالة الارتباك والاشتباك.
يشرح زويل في الورقة بسلاسة ودون تعقيدحقيقة الإسلام مقدماً اجابات قاطعة للكثير من الأسئلة الشائكة التي تدور في الأذهان وخاصة في الغرب.
علي الرغم من أن ورقة الدكتور زويل كتبت في الأصل بالإنجليزية لمخاطبة العالم الغربي، فإن عرضها بالعربية يبدو مهماً للغاية، فحتي البديهيات الأساسية بشأن الدين الإسلامي والتي تعرض لها د. زويل كأساس معرفي للحوار، لا تفقد أهميتها حين يجري تقديمها للمسلمين أنفسهم.
يسأل د. زويل ما هو الإسلام ويجيب في سرد رائع وسلس: الإسلام هو دين وطريقة حياة لنحو خُمس سكان العالم، فهناك ٣.١ مليار مسلم في العالم اليوم، ويشكل العرب نحو ٢٠% من تعداد المسلمين في العالم، وهناك ٥% من العرب غير مسلمين وفي عام ١٩٧٠ كان هناك نصف مليون مسلم في الولايات المتحدة الأمريكية،
أما اليوم فيتراوح عددهم من ستة إلي سبعة ملايين، ٢٣% منهم ولدوا في الولايات المتحدة، وكلمة «الإسلام» كلمة عربية تتضمن معاني: السلام والخضوع والتسليم لله رب العالمين ويعتبر الإسلام نفسه متمماً ومكملاً للديانات السماوية السابقة له، اليهودية والمسيحية، فالديانات الثلاث هذه تسمي ديانات التوحيد الإبراهيمية والله سبحانه وتعالي يأمر المسلمين باحترام الناس جميعاً، ويصف اليهود والمسيحيين بأنهم أهل الكتاب.
وهناك مفهومان أساسيان في الإسلام، المفهوم المتعلق بوحدانية الله ثم الإسلام في أسلوب حياة، ويشكل هذان المفهومان جوهر العقيدة الإسلامية، وتشبه مجموعة القواعد والقوانين الإسلامية المتعلقة بالمبادئ الأخلاقية مثيلاتها في المسيحية واليهودية.
.. أركان الإسلام
يقر ويسلم المسلمون بالتزامات رئيسية تسمي بأركان الإسلام الخمسة، وفي التطبيق العملي أو الممارسة تجد المسلمين وقد تقيدوا بهذه الأركان بدرجات متفاوتة، وتضع مسؤولية الوفاء بتلك الالتزامات علي أكتاف كل فرد بذاته، وأركان الإسلام هي: الشهادة «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله» والصلاة والزكاة وصوم رمضان وحج البيت الحرام - بمكة المكرمة - لمن استطاع مرة واحدة علي الأقل في العمر.
ويقر ويسلم المسلمون أيضاً بالشريعة وهي مجموعة القوانين الإسلامية المستمدة من القرآن والسنة النبوية (أفعال وأقوال وإقرار الرسول - صلي الله عليه وسلم).
.. القرآن الكريم
القرآن الكريم هو الكتاب المقدس في الإسلام، وهو كلام الله أنزله علي النبي من خلال جبريل عليه السلام، وتستخدم كلمة «الله» بواسطة كل العرب، المسلمين والمسيحيين واليهود، وقد أنزل الله تعالي القرآن الكريم علي النبي مجزءاً، متضمناً قضايا وتفصيلات متعددة، خلال ثلاثة وعشرين عاماً، وهي المدة التي قضاها الرسول منذ نزول الوحي حتي انتقاله إلي الرفيق الأعلي، ولأن القرآن الكريم هو كلام الله فقد بقي في لغته الأصلية حرفياً، كلمة فكلمة وحرفاً فحرفاً، وبمجرد أن ينقل القرآن الكريم أو يترجم إلي أي لغة، فإنه عندئذ لا يسمي قرآناً، لأن الكلمات السماوية المباشرة قد حلت محلها كلمات بشرية، وإنما يسمي تفسيراً أو ترجمة لمعاني القرآن الكريم.
ولقد كان لبلاغة القرآن وأسلوبه الأدبي الفريد من القوة حتي شكلت معجزة فذة لا تضاهي بالنسبة للعرب الأولين، ويبدو أسلوب القرآن الكريم مشتركاً في بعض هيئته مع الروح الشعرية، إلا أنه يتحدي الوصف، ولا يعد شعراً ولا نثراً، إنما هو طراز فريد خاص بذاته ويشكل ذلك مشكلة لبعض القراء غير المسلمين الذين يميلون إلي أسلوب الكتاب المقدس في روايته للتواريخ والأحداث مرتبة ترتيباً زمنياً، وهناك قصة واحدة في القرآن الكريم مرتبة ترتيباً زمنياً هي قصة يوسف - عليه السلام.
.. الحياة في الإسلام
يستكمل د. زويل في ورقته التي قصد منها نقد فكرة صدام الحضارات وصراع الأديان، موضحاً ما بات خافياً علي غير المسلمين وبعض المسلمين من جوهر الإسلام، يقول د.زويل في شأن نظام الحياة في الإسلام، لقد حدد القرآن الكريم أسلوباً واضحاً لكي يحيي الإنسان حياة سليمة لا عوج فيها، ولم يترك القرآن الكريم أمراً من أمور الحياة من العلم إلي التكنولوجيا ومن المهد إلي اللحد، وأول كلمة أنزلها الله سبحانه وتعالي علي رسوله هي كلمة «إقرأ» في أول سورة العلق.
وفي القرآن الكريم عدد من الآيات التي تؤكد أهمية المعرفة وطلب العلم، وتلقي مكانة العلماء في الإسلام، بجانب الأنبياء والصديقين، عظيم الاحترام، ويوجه القرآن الكريم دعوة لكل البشر هي: «... وتعاونوا علي البر والتقوي ولا تعاونوا علي الإثم والعدوان...» (المائدة: ٢).
.. الجهاد في الإسلام
يقول د. زويل في ورقته الفكرية «حوار الحضارات»: من المفجع والمأساوي في آن واحد أن بعض المتعصبين والبعض في وسائل الإعلام يسيئون إلي الإسلام ويحرفون مبادئ الإسلام وقيمه من خلال مصطلحات وتعبيرات من قبيل الجهاد والإرهاب، فكلمة «الجهاد» علي سبيل المثال تترجم حالياً بطريقة روتينية بمعني «الحرب المقدسة» وعلي وجه الخصوص نوع الحرب المقدسة التي يمارسها المسلمون ضد غير المسلمين.
ويبتعد هذا الأسلوب كثيراً جداً عن المفهوم الصحيح للجهاد في الإسلام، فبحسب قاموس «لسان العرب» فإن كلمة الجهاد المشتقة من الفعل «جهد» تعني ببساطة بذل غاية ما في الوسع من مجهود، وهو ما يعني العمل بجد واجتهاد من أجل الإصلاح والتحسين في معركة الجهاد مع النفس من أجل الرفعة والارتقاء الذاتي والارتقاء إلي مرتبة عالية من السمو والطهارة والاستنارة.
وفي مصر علي سبيل المثال فإن كلمة «مجتهد» بالنسبة لتلميذ أو طالب علم تعني أن هذا الطالب يبذل ما في وسعه لتحصيل دروسه وإنجاز مهامه الدراسية علي أكمل وجه. وهناك نماذج أخري من الجهاد منها استخدام القوة الاقتصادية لتحسين أحوال المحتاجين والفقراء ثم الجهاد البدني ضد الظلم والجور والاضطهاد، كما يستخدم مصطلح الجهاد أيضاً للتعبير عن الحرب التي تشن لخدمة الدين وأهدافه.
الجدير بالذكر أن القرآن الكريم قد حدد الجهاد البدني في آيات محددة «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» (البقرة: ١٩٠) بمعني أن الحرب تكون عادلة ومبررة، حينما تكون حرباً دفاعية فقط.
وجاء في القرآن الكريم أيضاً: «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل علي الله إنه هو السميع العليم» (الأنفال: ٦١)، فالحرب ليست من أجل قهر وسحق الخصوم، ويجب التمسك بالسلام في أقرب فرصة، ولهذا التأكيد أهمية بالغة بالنسبة للمسلمين، ذلك أن تحيتهم العادية هي «السلام عليكم» ولا يترك سلام الإسلام حيزاً للإرهاب، الذي يختلف شكلاً وموضوعاً عن الجهاد، فالإرهاب عمل مدان ومستنكر إنسانياً.
.. حضارة محبطة
من الدين إلي التاريخ يقول د. زويل: إن الغرب لا يتذكر إلا القليل عن الدور الحيوي الذي لعبته الحضارة الإسلامية، خاصة في إسبانيا، إحدي مراكزها الحضارية المهمة، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا غارقة في عصور الظلام، وإني أشك في أن رجل الشارع في نيويورك أو لوس أنجلوس أو لندن أو باريس علي علم الآن بمدي ما كانت عليه الحضارة الإسلامية من تقدم وازدهار في العصور الوسطي، فقد أمدت هذه الحضارة العالم بمعارف جديدة في العلوم والفلسفة والآداب والقانون والطب وغيرها من فروع المعرفة، ومن أمثلة الإضافة العظيمة في نهاية الألف الميلادية الأولي، إضافات ابن سينا في الطب وإضافات ابن رشد في الفلسفة والقانون، وإضافات جابر بن حيان في الكيماء، والحسن بن الهيثم في البصريات، والخوارزمي في علم الجبر، ويعرف الخوارزمي عند الغربيين باسم «ALGORITHM» ومنها اشتقت كلمة «البرمجيات».
.. شهادة برنارد لويس
يستشهد د. زويل في هذا المقام برأي المؤرخ الأمريكي برنارد لويس الذي وصف الحضارة الإسلامية وصفاً حسناً بقوله: «لقرون عديدة ظل العالم الإسلامي في صدر الحضارة الإنسانية» وأن الإسلام قد «شيد حضارة عالمية متعددة الأعراف والأجناس، حتي إنه يمكن وصفها بالحضارة العابرة للقارات».
ويكمل د. زويل قائلاً: «إني أشك في أن الناس يتذكرون أن التسامح كان مبدأ أو سمة سائدة في الحضارة الإسلامية والتي تسمي بالحضارة الشرقية، ففي قمة ازدهار الحضارة الإسلامية، عاش المسلمون واليهود والمسيحيون معاً في سلام في إسبانيا وبقية العالم الإسلامي، أما في الغرب الأوروبي فقد قاس اليهود كثيراً بسبب التفرقة في المعاملة والتعذيب الذي لاقوه علي أيدي الأوروبيين، ولقد كانت القاهرة ذات يوم المكان الذي درس فيه الفيلسوف اليهودي الشهير موسي بن ميمون أعمال ابن سينا وقرأ أعمال أرسطو في ترجمتها العربية، إن استخدام الأحداث المعاصرة لتجاهل دور الحضارة الإسلامية، والحط من شأن الإسلام إنما هو أمر يهدد السلم العالمي.
الحلقة الثالثة غداً