يدهشني صمت الدولة حتي الآن علي رفض بنك فيصل «الإسلامي» استحواذ مواطنين مصريين أقباط علي عدد من أسهمه التي طرحها للتداول في البورصة مؤخراً، وتأتي دهشتي أكثر حين أقارن هذا الموقف الرسمي شديد السلبية، مع ما تتعامل به الدولة مع الملف الطائفي من حساسية تبدو مفرطة، وغير مبررة في كثير من الأحيان.
لماذا إذن لم يجرح قرار بنك فيصل هذه الحساسية، أو يهدد السلام الاجتماعي والوحدة الوطنية، كما يحدث مع تصريحات هنا وهناك من أي متطرف في حزب أو تيار، ولماذا لم تقم الأجهزة المعنية بتحليل هذا القرار «أمنياً» والوقوف علي خطورته، والتحذير منه، مثلما يحدث عند كل مشاجرة تحدث مصادفة بين مواطنين مسلمين وأقباط.
أري أن الدولة تخلت لأول مرة - وبوضوح يصل إلي درجة الفضيحة - عن دورها في حماية الوحدة الوطنية، وصون الدستور والقانون، وتركت البنك «السعودي الهوية» يفرض نظامه الأساسي علي قانون البلد الذي يعمل فيه، وعلي دستوره الذي يحمي مواطنيه من التمييز بسبب النوع أو الجنس أو العقيدة، بل وتتعامل مع قرار البنك بتجاهل يفجر الغيظ، وتربت عليه في هدوء مريب.
وصمت الدولة علي هذه الممارسات يعطي غطاء شرعياً - يوماً فيوم - لممارسات غير شرعية، وغير دستورية ويكرس التمييز الطائفي رسمياً، عبر خلق مؤسسات تختار بإرادتها التعامل مع المواطنين وفق اعتبارات دينية، وتضرب بالقانون عرض الحائط، وتحدد شرائح بعينها للتعامل، وتقصي الآخرين دون معايير موضوعية ذات صلة بالموضوع سوي تطرف وتمييز ديني وعنصري واضح.
لا أعتقد أن البنك السعودي يستطيع أن يفعل ذلك في أي بلد يحترم قانونه ودستوره، وربما لا تستطيع كل البنوك السعودية المتعاملة بنظام المعاملات الإسلامية داخل أراضي المملكة حرمان غير المسلم من التعامل معها، إلا أن بنك فيصل علي ما يبدو وجد في مصر نظاماً قانونياً رخواً،وحكومة لا تملك القدرة أو الرغبة، أو الإرادة لحماية مواطنيها ضد الانتهاك الصارخ لحقهم في المواطنة داخل الوطن الذي يحملون جنسيته.
تأسس بنك فيصل الإسلامي في مصر عام ١٩٧٧، وتم تسجيله لدي البنك المركزي المصري كبنك تجاري يخضع لأحكام قانون البنك المركزي، ومع ذلك فرض المادة ١٢ من نظامه الأساسي علي قانون البنك المركزي المنظم لعمله، تلك المادة تنص علي عدم جواز قبول مساهمة غير المسلمين، وعدم جواز نقل ملكية أسهم البنك إلا للمسلمين.
وحسب بعض الاقتصاديين فإن تطبيق هذه المادة في إطار سوق المعاملات البنكية يمكن اعتباره - تجاوزاً - من حق البنك، لأن المساهمات فيه كانت تتم بشكل يشبه التعاقد الحر والمباشر بينه وبين عملائه.
ولكن البنك إذا كان قد نجح في فرض نظامه الأساسي، قبل أن يتخذ قراره بطرح أسهمه في البورصة، فإن محاولته فرض هذا النظام علي البورصة المفتوحة لكل المصريين بجميع انتماءاتهم وعقائدهم ومذاهبهم، هو أمر غير مقبول، خاصة أن الأقباط الذين تقدموا - كمواطنين مصريين وعملاء في سوق مفتوحة - لشراء أسهم البنك المطروحة للبيع، تعرضوا لانتهاك صارخ لحقوقهم، وتجاوز فادح لقانون البنوك قبل التجاوز الدستوري، بأن شكل البنك غرفة عمليات سرية داخل البورصة، لتتأكد من ديانة المشتري، فإذا كان مسلماً تمت الصفقة، وإذا كان قبطياً تم إلغاؤها دون إعلان الأسباب.
ورغم الإهانة الشديدة التي وجهها البنك إلي مصر - دولة وقانوناً ودستوراً وشعباً - لا تزال الجهات الحكومية تتخبط وتدرس وتناقش، دون أن تتخذ قراراً حاسماً ورادعاً يعيد للقانون هيبته، ويساعدها في الوقت نفسه علي فرض وجودها واحترامها، ويمكنها من تنفيذ برامجها الرامية إلي تحقيق الاستقرار سياسياً، وجذب الاستثمارات اقتصادياً.
كان من الواجب أن يتبني البنك المركزي، أو البورصة، أو هيئة سوق المال - أياً كان المسؤول-، قضية المواطنين المصريين، وأن تعمل علي تفعيل القانون لتكريس امتلاكهم لأسهم اشتروها بالفعل، خاصة أن طعن أي منهم في دستورية نظام هذا البنك قضية مضمونة.
لا يهم أن تقوم الدولة بتنظيم لقاءات دعائية يتبادل فيها شيخ الأزهر والبابا شنودة القبلات أمام العدسات والكاميرات، للتأكيد علي وحدة عنصري الأمة، ولا تكليف التليفزيون لمؤلفي الدراما بإظهار شخصيات مسيحية في الأحياء وعلي المقاهي تجاور الأبطال وتساندهم، وتكون في الغالب شخصيات ملائكية وشديدة الطيبة، لنقول للناس هذا هو المجتمع المصري لا فرق فيه بين مسلم وقبطي.
يكفي فقط أن تحترم الدولة ومسؤولوها الدستور والقانون الذي يتصدر صيانتهم واحترامهم القسم الرسمي الذي يؤديه أي مسؤول قبل أن يتولي منصبه.
إن صمت الدولة حتي الآن علي هذه المسألة من شأنه أن يكرس الطائفية في كل المؤسسات، فنفاجأ برجال أعمال وشركات ومتاجر ومصانع ترفض البيع للأقباط أو الشراء منهم، وأن تتحول هذه الطائفية إلي ثقافة شعبية تجعل الناس يسيرون في الشوارع يفتشون في ديانات بعضهم البعض، وينظرون في البطاقات الشخصية والعائلية، ويفحصون الصلبان المدقوقة علي باطن معاصم المارة والسلاسل التي يتدلي منها الصليب فوق صدور المسيحيات، وأن تتحول بعض المؤسسات والشركات التي لا تقبل توظيف المسيحيين، وبعض المؤسسات والشركات التي لا تقبل توظيف غير المسيحيين من مجرد حالات هنا وهناك، إلي ظاهرة عامة، وبالتالي تصبح تلك هي الثقافة السائدة، ويصبح الحديث عندئذ عن المواطنة والمساواة والحقوق الدستورية المتساوية سباحة ضد التيار.. ويومها ستجني الدولة ثمار صمتها!