انتهي السامر وانفض «مولد» ما أطلق عليه التعديلات الدستورية، وأصبح واضحاً أن الحزب الوطني وبرلمانه وأمانة سياساته تقف إلي جانب، وأن الشعب المصري كله علماءه وفقراءه وشرفاءه يقفون جميعاً في جانب آخر، وأن هناك بين الجانبين برزخاً يفصل بينهما.
أما الجانب الأول ـ الحزب الوطني وأجهزته ـ فقد انصاع لكل ما جاءه من فوق، لم يبدل فيه كلمة ولا حرفاً، وأصم أذنيه تماماً عن كل ما سمعه من رأي وفكر وكلمة صادقة، وازوّر عن ذلك كله وأهمله، وهم يظنون بذلك أنهم يحسنون صنعاً ألا ساء ما يظنون.
وانتهي الأمر إلي هذا الحصاد المر الذي يراد للشعب المصري أن يتجرعه، وأن يرغم علي استساغته، قيل للناس إن هذه التعديلات غير المسبوقة هي من أجل مزيد من الديمقراطية ومزيد من المشاركة ومزيد من المواطنة.. فماذا كان؟
لو استعرضنا المواد الأربع والثلاثين التي كانت مطروحة للتعديل سنجد أن عدداً كبيراً منها، بقاءه أو تعديله، لم يكن له أثر في حياة الناس، من ذلك إلغاء النصوص التي كانت تتحدث عن الاشتراكية وعن التخطيط وعن القطاع العام، كلها مواد كان الزمن قد تخطاها وكان بقاؤها في نصوص الدستور مدعاة للسخرية، وكان من الأفضل رفعها عن الدستور، وقد حدث ذلك وهو أمر لا بأس به.
ويأتي بعد ذلك عدد من المواد، التي قيل إنها تنظم العلاقة بين الرئيس والبرلمان ومجلس الوزراء، وكلها نصوص في ظل نظام يقوم في حقيقته علي محورية رجل واحد، هو رئيس الجمهورية، وعلي غياب لحياة حزبية حقيقية، كلها نصوص في ظل هذا الوضع لا تقدم ولا تؤخر مادام الأمر مرجعه في النهاية إلي إرادة رجل فرد.
رئيس الوزراء الذي لا يستند إلي حزب حقيقي ويرتبط وجوده وعدم وجوده بإرادة الرئيس، ماذا يمكن أن يغير في وضعه نص هنا أو نص هناك؟! كلها أمور مصطنعة لا تجوز علي أحد، وإن ظن البعض أنهم يزينون بها ما لا يمكن تزيينه.
وهكذا عدد من النصوص الأخري من هذا القبيل.
أما النصوص الجوهرية، فيما قيل له تعديل، فإنها هي التي تمثل في تقديري ـ وأرجو أن أكون مخطئاً ـ الحصاد المر.
وأول هذا الحصاد ما يتمثل في قضية حرية تكوين الأحزاب السياسية، كان الناس ينتظرون أن يقرر التعديل الدستوري أن تقوم الأحزاب السياسية بمجرد الإخطار، كما هو حادث في العالم الديمقراطي كله، بل ما كان قائماً في مصر حتي قبل سنة ١٩٥٣ مع حظر الأحزاب العسكرية، والأحزاب التي تدعو إلي إقامة دولة دينية، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث، وجاء نص يمنع قيام الأحزاب التي تقوم علي أساس الدين، وهي عبارة فضفاضة لا تصلح معياراً دستورياً، ذلك أن الأصل في المعايير الدستورية أن تكون منضبطة غير فضفاضة، تحتمل أكثر من تفسير،
كان مفهوماً أن يمنع النص الدستوري قيام الأحزاب التي تدعو إلي إقامة دولة دينية، فهذا معيار واضح أما القول بـ «منع الأحزاب التي تقوم علي أساس الدين» فهي عبارة يمكن عن طريقها منع أي حزب يشير إلي المادة الثانية من الدستور التي كررنا أنها غير قابلة للمساس بها، ويقيناً فإنها ستحول بين حزب الوسط وبين الإجازة، فضلاً عن أي حزب آخر علي يمين حزب الوسط.
المعايير الدستورية يجب أن تكون منضبطة.
والمؤسف أن تستعمل لفظة «المواطنة» هنا في غير ما أعدت له.
هذا عن الأحزاب السياسية، وإذا كان من المقرر أن حرية تكوين الأحزاب السياسية هي المقدمة الضرورية لأي نظام ديمقراطي فإن التعديل الدستوري في هذا الصدد لم يحقق أي خطوة إلي الأمام.
ونأتي بعد ذلك إلي طريقة ترشيح، ثم انتخاب رئيس الجمهورية وهو الأمر الذي تصدت له المادة السادسة والسبعون، والتي عدلت في العام قبل الماضي ـ ٢٠٠٥ ـ ثم عدلت أخيراً، وفي الحالتين فقد بقيت هذه المادة في سوء صياغتها وفي طولها وحيدة لا مثيل لها في دساتير العالم المتحضر، هذا بالإضافة إلي أن هذه المادة بكل ما فيها من موانع وتعقيدات توشك أن تقصي الشعب المصري كله عن حق الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية،
وتكتفي بأن تخاطب عدداً محدوداً من الناس لا يجاوز أصابع اليدين الاثنتين، في مقدمتهم طبعاً السيد رئيس الحزب الوطني أو من يلوذ به ويرضي عنه، أما غير ذلك من الخمسة والسبعين مليون مصري، فالنص يقصيهم إقصاء كاملاً وذلك بطبيعة الحال تطبيق لمبدأ المواطنة، باعتبار أن كل المواطنين أمام الحقوق الدستورية سواء.
أليس هذا عبثاً ليس بعده عبث.
وهذا هو المكسب الثاني من الحصاد المر للتعديلات الدستورية.
وطبعاً لم تفكر التعديلات الدستورية في موضوع تداول السلطة أو التعرض للمادة السابعة والسبعين، التي كانت في أصل وضعها تحدد بقاء رئيس الجمهورية بمدتين اثنتين مجموعهما اثنا عشر عاماً، ثم عدلت لتجعل مدة البقاء في المنصب بغير نهاية، لم يجر التفكير في تعديل هذه المادة واعتبر الاقتراب منها من قبيل المحرمات.
في هذه الأيام تقترب علي الانتهاء مدة رئيسين في دولتين كبيرتين يختلف نظامهما السياسي هما روسيا وفرنسا وفي كلتا الدولتين، رغم عدم وجود قيد علي المدد في فرنسا، يعلن كل من الرئيسين أنه لن يجدد ترشيحه لمدة ثالثة.
ونحن نصمم علي البقاء حتي آخر نفس ولا نكتفي بأكثر من ربع قرن، إن مبدأ تداول السلطة هو ركن أساسي من أركان النظام الديمقراطي غير وارد في مخيلتنا.
وننتقل بعد ذلك إلي موضوع الانتخابات وتعديل المادة الثالثة والثمانين، أحب أن أقول بداءة إنني لست من الذين يربطون بالضرورة بين الإشراف القضائي وسلامة الانتخابات ونزاهتها، وتجربة الهند خير شاهد علي ذلك، هناك تشرف علي الانتخابات لجنة عليا تتمتع باستقلال كامل عن السلطة التنفيذية، ولأعضائها من الحصانات ما يتمتع به أعضاء المحكمة العليا،
وفي ظل إشراف هذه اللجنة علي الانتخاب فقد منصبه أكثر من رئيس للجمهورية وأكثر من رئيس للوزراء وحدث تداول للسلطة بين أحزاب مختلفة، وأذكر أنني قلت ذلك للأستاذ الدكتور فتحي سرور عندما ولي رئاسة مجلس الشعب لأول مرة، ودعا عدداً من أساتذة الحقوق لدراسة هذا الأمر
وكان ذلك منذ زمن بعيد، ولعل سيادته لم ينس هذه الواقعة مع كثرة مشاغله ومع طول المدة ـ المهم، إنني لا أربط بين الإشراف القضائي ونزاهة الانتخابات وإنما أري أن الجدية والإرادة الصادقة لمعرفة توجهات الشعب والحرص علي أن تتم الانتخابات لصالح «مؤسسة الدولة» وليس لصالح هذا الحزب أو ذاك أو هذا الرئيس أو ذاك ـ هذا هو الذي يضمن جدية الانتخابات.
ولكن أتساءل: إذا كان الشعب يضع ثقته في قضائه، لماذا نعدل المادة الثامنة والثمانين لكي ننتقص من الإشراف القضائي علي الانتخابات؟! ولماذا نعود إلي مظنة التزوير والتسويد والبطاقات الجماعية وكل صنوف تزييف إرادة الناس؟!
هل يستطيع أحد أن يقول إن ذلك من أجل الرغبة في انتخابات حقيقية شفافة ونزيهة؟! أظن لا أحد يستطيع أن يقول ذلك، إلا إذا كان يريد أن يضحك علي نفسه وعلي غيره.
وتأتي بعد ذلك الطامة الكبري التي تجعل الحصاد أكثر مرارة وتجعل المستقبل أكثر عتمة.
تأتي بعد ذلك المادة ١٧٩ الجديدة، التي يسمح فيها «الدستور حامي الحريات» بوضع تشريع لمواجهة «أخطار» الإرهاب بغير تقيد بأحكام المادتين ٤١ و٤٤ والفقرة الثانية من المادة ٤٥ من الدستور، وهذه المواد هي التي كانت الأداة في يد المحكمة الدستورية، وفي يد القضاء لحماية الحريات وضمانها، فيأتي هذا التعديل ليقضي علي هذه الضمانات من أجل مواجهة «أخطار الإرهاب» وليس «أفعال الإرهاب»،
والأخطار قد تكون أمراً مستكناً في الذهن لم يعبر عنه صاحبه ولكنها مع ذلك في عرف التعديلات الدستورية، التي تهدف إلي الديمقراطية تسمح بتعطيل المادة ٤١ من الدستور التي تقول: «الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مصونة لا تمس» هذه المادة يعطل التعديل الدستوري «الديمقراطي» الجديد مضمونها من أجل التصدي «لمخاطر الإرهاب» حرام عليكم.. اتقوا الله، إن حكم التاريخ عليكم سيكون بالغ القسوة، إنكم تفتحون الباب أمام الدولة البوليسية، التي لا ترعي لشخص ولا لحرمة ولا لحرية ولا لحق وقاراً.
في سبيل ماذا ومن أجل ماذا تفعلون هذا كله؟!
من أجل البقاء علي كراسيكم.
هل تستحق هذه الكراسي هذا الهوان كله وهذا الجور كله؟!
إن ربك لبالمرصاد.