المصرى اليوم
                   تاريخ العدد       الاحد   ٥   اغسطس   ٢٠٠٧     عدد    ١١٤٨  
ابحث
English   الرجوع لعدد اليوم
 أعداد سابقة  

  الآنتقال الى

المواضيع الرئيسية
الرئيسية 
رسالة من المحرر 
قضايا ساخنـــــة  
اخبــار الوطن  
اقتصــــــــــاد  
رياضــــــــــــة  
السكوت ممنوع  
اخبــــار العالم  
مساحـــــة رأى  
حوادث و قضايا  
صفحات متخصصة  
فنون  
زى النهارده  
تحليل اخبارى  
تحليل اقتصادى  
سياسة على الشاشة  
أعمدة العدد
  خط أحــــــــمر
  خارج النص
  من القلب
  إززززز



الرئيسية | مساحـــــة رأى
اطبع الصفحة  ارسل لصديق  اضافة تعليق


السياسة علي الطريقة المصرية

  بقلم   د. حسن نافعة    ٥/ ٨/ ٢٠٠٧

طالعت في الصحف المصرية منذ أيام تصريحات منسوبة للسيد صفوت الشريف، رئيس مجلس الشوري، أمين عام الحزب الوطني، بدت لي شديدة الغرابة. ولولا تكرارها لاحقا في مقالات عدد من الكتاب والصحفيين الموثوق بهم، لاعتقدت أنها حرفت أو نشرت مقطوعة من سياقها، وبالتالي لما تعاملت معها علي محمل الجد.

هذه التصريحات تنطوي علي بعدين، يتعين التمييز بينهما، ويحتاج كل منهما إلي تعليق منفصل. البعد الأول: تقريري ـ خبري، يعلن فيه الشريف عن قرار تم اتخاذه بالفعل، والثاني: توجيهي ـ قيمي، يوجه فيه الشريف رسالة لشباب الحزب، ويدعوهم للتصرف علي نحو معين. ففيما يتعلق بالشق الأول: أكد الشريف أن المؤتمر العام المقبل للحزب الوطني، سيشهد انتخابات بالاقتراع السري المباشر لاختيار رئيس جديد للحزب، وأن باب الترشح للمنصب سيفتح قريبا. وفيما يتعلق بالشق الثاني: وجه الشريف نداء لشباب الحزب، يحثهم فيه علي الإطاحة بالقيادات القديمة والتخلص منها، لإفساح المجال أمام جيل أكثر حيوية لتجديد دماء الحزب.

وتوحي هذه التصريحات، في ظاهرها، بعملية تغيير كبري، تبدو وشيكة داخل الحزب الوطني، وبأنها إيجابية وتسير في الاتجاه المأمول شعبيا. فلا أحد يمكن أن يعترض علي شغل المواقع القيادية بالانتخاب، خاصة حين يتعلق الأمر بموقع علي هذه الدرجة من الحساسية والخطورة؟.

 ولا أحد يمكن أن يعترض علي إفساح المجال أمام الشباب لتبؤ المواقع القيادية علي جميع المستويات، خاصة حين يتعلق الأمر بحزب يسيطر علي الحياة السياسية منذ ثلاثين عاما.

 غير أن هذه التصريحات تنطوي، في حقيقتها، علي دلالات أخري تبدو سلبية تماما، وتثير من الأسئلة أكثر مما تعطي من أجوبة ومن المخاوف أكثر، مما قد توحي به تطمينات، بل وتنكأ جراحا قديمة، كنا نفضل أن نتركها تندمل. وإن دلت هذه التصريحات علي شيء فهو أن السياسة في مصر، تدار بطريقة تختلف كلية عن الأصول المرعية في بقية أنحاء الدنيا. فالمجهول منها أو الغائم تحت السطح أكثر بكثير من المعلوم عنها أو العائم فوقه.

ورغم كثرة ما كتب عن هذه التصريحات في الأيام الأخيرة، فإنني أود استئذان القارئ في المشاركة في النقاش الدائر حولها، راجيا أن أضيف جديدا. ولا أظن أنني في حاجة إلي التذكير مرة أخري، وربما أخيرة، بأنه لا خصومة شخصية لي مع أحد، ولا مطمع أو مطمح لي عند أحد، وأن كل ما يعنيني هو معاونة شبابنا في استجلاء جميع جوانب الصورة، ليقرروا ما يرونه بعد ذلك.

تصريحات صفوت الشريف تمس قضيتين، تشغلان بال كل النظم السياسية في العالم: الانتخابات، والمشاركة الشبابية. وبينما يوحي ظاهر التصريحات بأشياء تبدو إيجابية للغاية، يشير باطنها إلي أن مصر تتجه وجهة أخري معاكسة خطيرة للغاية، وتثير قلق الجميع. وإليكم أسباب ما أشعر به من قلق:

١- انتخاب رئيس الحزب:

حين يعلن الأمين العام لحزب أنشأه الحاكم، وهو في السلطة، واعتاد علي مدي ثلاثين عاما أن يجدد الولاية لرئيسه بالإجماع، وبطريقة رفع الأيدي أنه تغير فجأة، وقرر أن يختار رئيسه بالاقتراع السري المباشر من بين أكثر من مرشح، اعتبارا من نوفمبر المقبل، يفترض في الأحوال العادية أن يشعر المواطنون بالارتياح، وأن يروا في هذا التغيير خطوة كبيرة إلي الأمام وفي الاتجاه الصحيح.

 غير ما حدث كان العكس تاما. ولأن مصر تعيش ظروفا غير طبيعية، فقد كان من الطبيعي أن يثير هذا التغير المفاجئ عاصفة من الأسئلة: لماذا الآن؟ وهل يمكن أن تكون المسألة جادة حقا، أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟ وإذا كانت المسألة جادة حقا وتقرر بالفعل إجراء انتخابات نزيهة يرشح فيها كل من يجد لديه الكفاءة والرغبة، فهل يرشح الرئيس الأب نفسه؟ وإذا ما ترشح هل تصبح هناك انتخابات حقيقية؟ وإذا قرر الرئيس الأب أن يفسح الطريق لغيره، فهل يرشح الرئيس الابن نفسه؟ وإذا فاز فهل يمكن أن يصدق أحد أن الانتخابات كانت نزيهة، حتي ولو كانت كذلك بالفعل؟.

لا أظن أن أحدا في مصر وجد صعوبة في الإجابة عن تلك الأسئلة. فالكل يبدو مقتنعا، ابتداء باستحالة ترشح الأب والابن معا، وإلا اعتبرت المسألة كلها عبثية، خصوصا إذا كان السيناريو المطلوب فوز الابن. وفي حالة امتناع الأب عن الترشح وفوز الابن، تصبح نزاهة الانتخابات عرضة للتشكيك، حتي لو أقسم صفوت الشريف علي كل مصاحف العالم، وحتي لو ترشح أمام الرئيس الابن مئات من فطاحل الحزب الوطني.

 لذلك يمكن القول إن هذا الجانب من التصريحات ولد، علي العكس، شعورا بالقلق، وربما بالاكتئاب، ورأي فيه المواطنون خطوة في الاتجاه الخاطئ. لماذا؟ لأنه من الطبيعي أن يري الناس في خطوة تأتي متأخرة ثلاثين عاما، حلقة في «سيناريو التوريث»، الذي يتوقعونه ويخشونه، وليس جزءاً من سيناريو الإصلاح، الذي يتمنونه ولا يدركونه.

الحالة الوحيدة التي يمكن للناس أن يقتنعوا فيها بنزاهة الانتخابات، حين يمتنع الأب والابن معا عن الترشح، وهو أمر لا يبدو وارداً علي الإطلاق، لأنه لا يتسق مع ما شهدته الحياة السياسية في مصر من تفاعلات طوال العامين السابقين. ولو كان هذا السيناريو واردا أصلا لاختلف المشهد السياسي الراهن في مصر، عما نراه ماثلا أمام أعيننا الآن، وهو مشهد مخيف حقا.

لذا لا يستغربن أحد إذا ما ولدت تصريحات الشريف شعورا بالقلق العميق أو حتي بالاكتئاب، أو إذا ما رأي فيها المواطنون حلقة جديدة من «سيناريو التوريث»، الذي يتوقعونه، ويخشونه، وليس من سيناريو الإصلاح الذي يأملونه.

٢- الشباب والدعوة للانتفاض:

حين يدعو صفوت الشريف شباب الحزب الوطني إلي «التخلص من القيادات القديمة الرابضة علي أنفاس الحزب»، تبدو دعوته، في ظاهرها، نبيلة القصد ثورية الطابع، لكنها، في باطنها، ليست كذلك علي الإطلاق. فهذه الدعوة تثير بدورها عاصفة من الأسئلة من نوع: من يا تري تلك القيادات القديمة التي يدعو الشريف شباب الحزب للإطاحة بها؟

 وهل تشمل الرئيس مبارك، وهل تشمله هو شخصيا؟. وإذا كان لا يستثني نفسه، فلماذا لا يتخلي عن موقعه طواعية، ويفضل أن «يطاح» به علي أن يترك طواعية؟ وهل في هذا الموقف دليل علي إصابة النخبة الحاكمة في مصر بنوع من أمراض الشيزوفرانيا، أو انفصام الشخصية، أم أن وراء الأكمة هنا ما وراءها أيضا؟.

لا أظن أن الجماهير المصرية فهمت نداء الشريف إلي «التخلص من القيادات القديمة الرابضة علي أنفاس الحزب الوطني»، علي أنه يستهدف نقل السلطة إلي جيل الشباب بالمعني الذي يفهمه الجميع، أو أنها وجدت صعوبة في الإجابة عما يدور بخلدها من أسئلة.

 فالأرجح أنها فهمت دعوة الشريف علي أنها تصب في الاتجاه نفسه، أي تمهيد الطريق أمام شاب واحد اسمه جمال مبارك لخلافة والده المسن، حرصا علي استمرار النظام والمصالح. وإذا كان الشريف قد فضل إلباس دعوته ثوباً راديكالياً أو ثورياً، فإن الأمر لا يعدو أن يكون نوعا من الفلتان الديماجوجي للمبالغة في التبرير، عن طريق إظهار مسألة مقررة ومفروغ منها، وكأنها إفراز لعملية اختيار حر واع، فرضته انتفاضة شبابية، تتطلع إلي إزاحة جيل شاخ في مواقعه، وأصبح عقبة في طريق التغيير، وهو أمر يثير السخرية!.

قد يبدو مثيرا للدهشة أن تتصرف المجموعة المسؤولة عن إعداد المسرح السياسي لسيناريوهات، وبدائل نقل السلطة في مصر، وكأنها لم تستطع أن تدرك بعد أن أساليبها في الإخراج باتت مكشوفة وساذجة، إلي حد لا يثير الملل فقط، ولكن الاستفزاز أيضا.

فكيف يمكن إقناع المواطنين بنبل الأسباب التي تدعو حزبا لم تتح أمامه قط فرصة واحدة طوال ثلاثين عاما خلت، للمشاركة في انتخاب رئيسه، أن يقرر فجأة إجراء انتخابات، وأن تكون حرة وديمقراطية في وقت يسيطر فيه ابن رئيس الدولة منذ سنوات علي مقاليد السلطة داخل الحزب؟.

 وكيف يمكن إقناع المواطنين بأن انتفاضة الشباب داخل الحزب، ورغبتهم الحارقة في التغيير والإطاحة بالحرس القديم، هي المسؤولة عن التمكين لجمال مبارك في موقع لا يرغب فيه، بينما لا يستطيع شباب الجامعات أن يرشحوا أنفسهم أو يشاركوا في انتخاب اتحاداتهم الطلابية؟

 كما قد يبدو مثيرا لدهشة أكثر أن هذه المجموعة نفسها، لم تدرك بعد أن طريقتها في التسويق لا تخدم الرجل المستهدف، وإنما تلحق به أبلغ الأضرار. فمتي تستطيع أن تدرك أن العيب يكمن في ركاكة النص، وفي عدم تمكن مخرج يستهين بالمتفرجين أكثر، مما يكمن في المرشح لبطولة المسرحية؟.

إنني، وبصراحة شديدة، لم أعد أفهم الطريقة التي تدار بها اللعبة السياسية الآن في مصر، ولا من يديرها، لأنها تبدو خالية من أي قواعد. فهل بوسع أحد أن يدلني علي هذه الطريقة، أو أن يساعدني هل فهمها؟. أتمني، وإن كنت أشك كثيرا.

 


الاسم :
البريد الالكتروني :
موضوع التعليق :
التعليق :


.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة المصرى اليوم  
و يحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مؤسسة  المصرى اليوم 

أتصل بنا

 | 

اتفاقية الاستخدام

 | 

الرئيسية

Site developed, hosted, and maintained by Gazayerli Group Egypt