هذه رسالة خاصة أتوجه بها إلي قارئي الكريم.. وهي تختلف عن كل الرسائل اليومية التي أكتبها له.. ليس في موضوعها وإنما في درجة الإحساس الذي أكتب به.
فلم أشعر بالإهانة والخوف علي بلادي.. كما أشعر عليها اليوم وأنا في الغربة، ويتملكني إحساس بأن مصر اليوم بلا حكومة، وبلا دولة، وبلا نظام.
والسبب في هذا الشعور الذي يتملكني ويكاد يعتصرني، هو الأحداث التي تمر بها بلادي هذه الأيام من فوضي الشائعات، التي لا أول لها من آخر، والتي تكشف عن ضعف الإحساس بالمسؤولية لدي رجال نظام الحكم ومؤسساته، واستهتارهم بأمن الوطن والمواطن.
لقد ملأت الشائعات البلاد طولا وعرضا في الأيام العشرة الماضية عن صحة الرئيس مبارك، قبل زيارته القرية الذكية يوم الخميس قبل الماضي.. ولم تتوقف الشائعات حتي بعد زيارة الرئيس لها، فالرأي العام يريد أن يري الرئيس مبارك أمامه علي شاشة التليفزيون علي مدي الـ٢٤ ساعة في اليوم، لكي يصدق أن الرئيس بصحة جيدة، ويريد أن يتحدث الرئيس معه، حتي يطمئن إلي أن الصوت الذي يصاحب الصورة هو صوت الرئيس.
إلي هذه الدرجة بلغت درجة انعدام الثقة فيما تقوله الحكومة، وما تقوله السلطة ورجالها حول صحة الرئيس، أو حول ملف التوريث، أو حول إنجازات الحكومة أو حول أي شيء يجري في مصر.
من قبل كانت الشائعات تنطلق، ثم تموت بمجرد ظهور الرئيس مبارك، أو نشر خبر صغير عن قيام سيادته بافتتاح بعض المشروعات هنا أو هناك.
في هذه الأيام تنتشر الشائعات والدولة بكل أجهزتها ورجالها عاجزة عن وقف شلال الشائعات.
الشائعات أقوي من تصريحات المسؤولين التي تحاول طمأنة الرأي العام دون جدوي، وأقوي من ظهور الرئيس مبارك بنفسه علي شاشة التليفزيون، ومن إعلان اجتماعه برئيس الوزراء في القرية الذكية.
الشائعات أقوي من الدولة، والدولة بلغت درجة من الضعف لم نعرفه من قبل.
لا أتحدث عن الضعف في مواجهة الخصوم السياسيين، فهي في ذلك قوية وباطشة ومستعدة لاعتقال عشرات الآلاف خلال أيام قليلة، في سبيل أن يبقي النظام.
لكن الدولة ضعيفة ومهزوزة وغير قادرة علي مواجهة الشائعات، لأن الناس فقدوا الثقة تماما في نظام الحكم، ومستعدون لتصديق أي شيء يقال لهم، لأن نظام الحكم لم يعمل حسابا للشعب في أي وقت، والنظام عندما يتحدث اليوم عن الشعب ويتحدث باسمه فالشعب لا يصدقه.
ما أتخوف منه هو المستقبل الغامض لبلادي، الذي أظهرت الشائعات أنه في مهب الريح، ويفتح أبواب المجهول.
أعرف أن الشعب المصري العظيم سوف يتجاوز كل ذلك، وسوف «يبلع» -كما هي عادته- هذه الفوضي في جوفه، فالنظام سوف يختفي والشعب هو الذي سيبقي، وقلقي نابع من أن الشعب هو الذي يدفع الثمن دائما.. وكل ذلك بسبب الرئيس أن مبارك لا يريد - وهو قادر - أن يرسم صورة واضحة لمستقبل الحكم في مصر.
نجح نظام الحكم الحالي في تحطيم إرادة المصريين وفي جعل الشعب يفقد الثقة تماما فيما يقوله رجاله.. وهذا هو السبب في فشل نظام الحكم في السيطرة علي تلك الشائعات وعجزه عن التصدي لها وإيقافها، فالناس وصل بهم درجة انعدام الثقة إلي أنها تتشكك فيما إذا كان الذي يظهر في الصورة أمامهم هو الرئيس مبارك أم لا، وهل هذه الصورة حديثة وحية أم قديمة!
وعندما يصل الأمر إلي هذا الحد، فليس أمام نظام الحكم سوي انتظار لحظة النهاية، وهي اقتربت، بينما الشعب باق .. باق.