قال لورد أكتون الذي توفي في أوائل القرن العشرين: كل سلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة، ومن هنا كان المشرع في الدول الديمقراطية واضحاً وصريحاً وحاداً في الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، والقضاء غير المستقل أو المقيد أو التابع للحاكم هو دلالة واضحة علي أن هذا النظام غير ديمقراطي وأن الحاكم سلطته مطلقة، وكما قال أكتون فيكن نظام الحكم مفسده مطلقة.
وفي عصر الليبرالية المصرية الذي بدأ بثورة ١٩١٩ ودستور ١٩٢٣ كان واضحاً في الدستور، وواضحاً في التطبيق أن القضاء كان مستقلاً تماماً، ولم يجرؤ أحد حتي في عصر بعض رؤساء الوزراء المستبدين الذين أطاحوا بالديمقراطية وزوروا الانتخابات مثل إسماعيل صدقي أن يقترب من القضاء أو يعتدي علي استقلاله.
وبعد ٢٣ يوليو ١٩٥٢ اختلف الوضع تماماً بنهاية الديمقراطية الليبرالية وتأسيس مشروعية جديدة للحكم كان القضاء فيها تابعاً للسلطة التنفيذية بدرجات متفاوتة عبر عقود عديدة، شهد فيها القضاء المذبحة الكبري للقضاة في الستينيات حين حاولوا المطالبة بالاستقلال كما ينص الدستور.
وخلال الأعوام القليلة السابقة حدث حراك سياسي كبير في الشارع المصري أدي إلي ظهور الصحف المستقلة والمعارضة القوية وكذلك حركات معارضة في الشارع المصري ومختلف منظمات المجتمع المدني بما فيها الجامعات وانتقل هذا الحراك إلي القضاة الذين انتخبوا مجالس إدارة لنوادي القضاة مستقلة عن النفوذ والسيطرة الحكومية وهو الأمر المطابق للدستور، وظهرت أهمية استقلال القضاء في انتخابات مجلس الشعب، والتي كانت رقابة القضاء فيها وإشرافهم عليها صمام أمان منع إلي حد كبير تلاعب السلطة التنفيذية في صناديق الانتخاب وهو الذي كان أمراً روتينياً وطبيعياً لعشرات السنين.
وفي قراءة سريعة لتاريخ أوروبا الحديث نجد أنه بعد تأسيس دولة الرايخ الثالث بواسطة هتلر في ألمانيا وبدء محاولاته في تحويل ألمانيا إلي دكتاتورية رهيبة وقف له بالمرصاد قضاة ألمانيا، والذين نصت المادة ١٠٩ في الدستور الألماني باستقلالهم التام وفي ٧ أبريل ١٩٣٣ قام هتلر بإلغاء هذا القانون وأصبح القضاة جزءاً من السلطة التنفيذية، وهنا كانت بداية النهاية لألمانيا، والتي أدت إلي حكم ديكتاتوري غاشم قضي علي أوروبا وعلي بلده التي محاها من الخريطة وانتهي الأمر باحتلالها بأربع دول ولو بقي القضاء الألماني مستقلاً ما استطاع هتلر أن يدمر ألمانيا وبقية أوروبا.
من هنا يجب أن نعرف أن صمام الأمان للشعب المصري وللمواطن المصري، وأيضاً للحاكم المصري هو قضاء مستقل عادل ومن يخاف من استقلال القضاء هو الذي يخاف من تطبيق العدل ومن يريد أن يكبل القضاء بالقيود هو الذي يريد الظلم وعدم المساواة، وعندما يكون القضاء حقاً مستقلاً يشعر الناس بالأمان ويتقبل الشعب أحكام القضاء بنفس راضية مطمئنة، لأنهم يعرفون أن هذا هو الحق حسب ما صاغه القانون ووفق القدرة البشرية في تطبيقه ويشعر الحاكم أيضاً بالثقة، لأنه لا يستطيع أحد حينئذ أن يعلق علي حكم قد يعتبره البعض جائرا لأن عدم استقلال القضاء يعطي الفرصة للجميع في الداخل والخارج بتصور أن بعض القضاة منحازون للحاكم ويتلقون أوامره وهو ما قرأناه جميعاً في كبري الصحف العالمية في الأسابيع الماضية.
نريد أن نخرس كل صوت يمس قضاءنا في أي مكان في العالم والطريقة الوحيدة هي قضاء مستقل، فعلينا جميعاً شعباً وحكومة أن نسعي لاستقلال القضاء لأن هذا هو الدرع الحقيقي لوطن حر له مستقبل.