المصرى اليوم
                   تاريخ العدد       الاحد   ١٢   مارس   ٢٠٠٦     عدد    ٦٣٧  
ابحث
English   الرجوع لعدد اليوم
 أعداد سابقة  

  الآنتقال الى

المواضيع الرئيسية
الرئيسية 
رسالة من المحرر 
قضايا ساخنـــــة  
اخبــار الوطن  
رياضــــــــــــة  
اقتصــــــــــاد  
مساحـــــة رأى  
حوادث و قضايا  
اخبــــار العالم  
صفحات متخصصة  
فنون  
أعمدة العدد
  خط أحــــــــمر
  إززززز



الرئيسية | مساحـــــة رأى
اطبع الصفحة  ارسل لصديق  اضافة تعليق


معركة استقلال القضاء

  كتب   د.حسن نافعة    ١٢/ ٣/ ٢٠٠٦

المعركة التي تدور حاليا بين قضاة مصر، ويمثلهم نادي القضاة الذي يديره مجلس إدارة منتخب، من ناحية، وبين الحكومة ومجلس القضاء الأعلي (غير منتخبين)، من ناحية أخري، هي معركة لا تخص القضاة فقط وإنما تخص الشعب المصري كله، فهذه المعركة تتعلق باستقلال السلطة القضائية، وبالتالي بمستقبل النظام السياسي المصري،

 ومن ثم يتعين أن توليها شرائح النخبة المصرية - علي اختلاف مشاربها ومنابعها الأيديولوجية والفكرية، بل وكل القطاعات الجماهيرية - كل ما تستحق من عناية ومتابعة، حتي وإن اقتضي الأمر النزول إلي الشارع للتعبير عن اهتمامها بالمعركة ووقوفها إلي جانب نادي القضاة، ففي تقديري أن معركة استقلال القضاء هي التي ستحسم مستقبل الإصلاح السياسي في مصر وتستحق أن يسهم فيها الجميع، كل قدر استطاعته، لتحقيق النصر فيها لأن خسارتها تعني انتصار قوي الفساد والاستبداد علي قوي التغيير والإصلاح، وسيشكل نهاية مأساوية لكل أحلام إصلاح وتغيير النظام السياسي المصري بالطرق السلمية.


كان الشعب المصري خلال العام المنصرم معركتين سياسيتين كبيرتين، هما معركة الانتخابات الرئاسية ومعركة الانتخابات التشريعية، خسر الأولي بالضربة القاضية، وخسر الثانية بالنقاط، ولذلك فلن يحتمل علي الإطلاق خسارة المعركة القادمة والتي يمكن اعتبارها المعركة الثالثة الأخيرة والحاسمة علي طريق الإصلاح وهي معركة استقلال القضاء، ففي معركة الانتخابات الرئاسية كان الشعب المصري قد علق آمالا كبيرة علي مبادرة الرئيس مبارك لتعديل المادة ٧٦ لتسمح بانتخاب رئيس الدول من بين أكثر من مرشح بدلا من نظام الاستفتاء، غير أن الطريقة التي تم بها تعديل هذه المادة انتهت بارتكاب خطيئة دستورية وأسفرت عن نظام يعتبره الكثيرون الآن أسوأ كثيرا من نظام الاستفتاء، وذلك لسبب بسيط وهو أنه استخدم التعددية وسيلة شكلية لتأبيد الاستبداد والتغطية علي حكم الفرد المطلق،

وقد ترتب علي هذا التعديل إعادة انتخاب الرئيس مبارك لولاية خامسة تنتهي في ٢٠١١ يكون الرجل عندها قد تجاوز الثالثة والثمانين من عمره. لكن ذلك ليس هو المشكلة بل ربما كان أخف الأضرار، لأننا عرفنا الرئيس مبارك وخبرناه وتعودنا عليه. المشكلة الحقيقية تتعلق بمن هو قادم، فتعديل المادة ٧٦ خلق أوضاعا يستحيل فيها علي الشعب المصري أن ينتقي من بين أبنائه بحرية وشفافية من هو أقدر علي شغل هذا المنصب الرفيع، وهنا مكمن الخطر والخلل.


أما المعركة الثانية والتي أقول إن الشعب المصري خسرها بالنقاط، فكانت معركة الانتخابات البرلمانية، فما إن أحس الحزب الوطني، خاصة بعد الجولة الأولي من الانتخابات، بأن احتمالات عدم فوزه بالأغلبية التي يريدها باتت واردة إن لم تكن مؤكدة حتي قرر استخدام أكثر الوسائل بشاعة في تزوير إرادة الناخبين، وذهب في ذلك مدي بعيدا شمل الضغط علي القضاة، ومنع الناخبين من الوصول إلي صناديق الاقتراع، بل وإعلان نتائج غير مطابقة للحقيقة، وبهذا التزوير وحده تمكن الحزب الحاكم من الحصول علي أغلبية في البرلمان تجاوزت نسبة الثلثين المطلوبة لتمكينه من تمرير أي تشريع يراه، ولذلك يمكن القول إن الانتخابات البرلمانية لم تغير شيئا من جوهر نظام سياسي تتركز فيه السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في يد شخص واحد هو رئيس الدولة.


ومع ذلك أظهرت هذه المعركة بوضوح قاطع عددا من الحقائق التي لم يعد بوسع أحد إنكارها، فقد أصبح معروفا للكافة أن حزب الحكومة يعكس إرادة الأقلية وليس بوسعه الادعاء بأنه يعبر عن إرادة الأغلبية، بل إنه يبدو مقطوع الصلة بالناس لدرجة أنه لا يعرف حتي كيف يختار مرشحيه في البرلمان، بدليل أنه لم ينجح من مرشحيه الرسميين سوي ٣٢% فقط من مجموع المرشحين بينما حصل المنشقون عليه علي أكثر من ٤٠%. وما كان بوسع هذا الحزب أن يتمتع بما يتمتع به الآن من أغلبية ساحقة في البرلمان لو لم يكن هو الحزب الرسمي لدولة تضع كل إمكاناتها في خدمته. وأصبح معروفا للكافة أيضا بعد هذه الانتخابات أن الأحزاب السياسية الرسمية التي أنشأتها الدولة كنوع من الديكور الديمقراطي قد سقطت هي الآخري وانتهت،

 وأن السياسات التي انتهجتها والتي أفرغت التعددية من مضمونها لم تسفر في النهاية سوي عن حالة استقطاب خطرة بين قوة الدولة في النظام السياسي، ويمثلها الحزب الحاكم، وقوة الدين في المجتمع، و تمثله "جماعة محظورة"، وهو وضع خطر يهدد السلام الاجتماعي. وأخيرا فقد بات معرفا للكافة أن أغلبية الناخبين المصريين ما تزال صامتة لأنها لم تستعد أبدا ثقتها في الحكومة ولا تعتقد بجدية هذه الحكومة أو برغبتها في القيام بالإصلاحات التي تري أنها باتت حتمية لتفادي كارثة يتوقعها الجميع ونسأل الله أن يحمي مصر من شرورها.


في هذا السياق من الطبيعي أن يتطلع المصريون جميعا إلي قضاة مصر العظام الذين قرروا أن خوض معركة كبري وحقيقية وحتي النهاية من أجل استقلال القضاء، فقد تقدم نادي القضاة بعد مناقشات ديمقراطية مستفيضة شارك فيها جموع القضاة علي اختلاف مؤسساتهم وهيئاتهم اتفقوا في نهايتها علي مشروع قانون يرون أنه الأقدر علي ضمان استقلال سلطة القضاء يصعب في غيابه وصف أي نظام سياسي بأنه ديمقراطي، فما لم تكن السلطة القضائية مستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية لا أمل في حكم القانون، والديمقراطية لا تستقيم إلا في دولة يحكمها القانون.

ولو كانت حكومتنا نزيهة وراغبة حقا في استقلال القضاء لرحبت علي الفور بمشروع نادي القضاة، لكنها بدلا من ذلك، حاولت الالتفاف علي هذا القانون أولا ثم، عندما لم تنجح قررت، فيما يبدو، رفضه والعمل علي إسقاطه وتمرير قانون آخر لا يلبي ضمانات الاستقلال المطلوبة. ومن الغريب أن الدولة تبدو في هذه المعركة الفاصلة كأنها تتستر علي خربي الذمم والضمائر وتحاول حمايتهم، بينما تعمل علي تضييق الخناق علي الشرفاء ومحاصرتهم، فقد نشرت الصحف مؤخرا أن رئيس مجلس القضاء الأعلي قد أحال، بصفته رئيسا لمحكمة النقض، اثنين من كبار المستشارين للتحقيق لمجرد أنهم كانوا قد انتقدوا التجاوزات الحكومية في الانتخابات البرلمانية ووقائع التعدي علي القضاة في مقار الاقتراع وفي غيرها.


علي أي حال فبعد خسارة معركتي الانتخابات السابقة، أي معركة السلطة التنفيذية ممثلة في انتخابات الرئاسة، ومعركة السلطة التشريعية ممثلة في الانتخابات البرلمانية، لم يعد لدينا أمل في أي إصلاح سياسي إلا إذا استقلت السلطة القضائية فعلا. فاستقلال السلطة القضائية سوف يمكن القضاة من الإشراف الفعلي علي الانتخابات، أي انتخابات تسند إليها، إشرافا كاملا، ابتداء من القيد في الجداول الانتخابية وانتهاء بإعلان النتائج مرورا بالسيطرة علي جهاز الأمن المكلف بحراسة المقار الانتخابية وصناديق الاقتراع.

ولأن الحكومة تدرك تمام الإدراك أن نظامها السلطوي المغلق يمكن أن يفتح عنوة، أو ينكسر، إذا ما أجريت انتخابات نظيفة فعلا، فسوف تلقي بكل ثقلها لإجهاض مشروع قانون تنظيم السلطة القضائية الذي تقدم به نادي القضاة، فلن يكون بوسع الحزب الحاكم أن يحصل في أي انتخابات تشريعية مقبلة تجري تحت إشراف القضاء المستقل أن يحصل علي أغلبية تمكنه من تمرير ما يراه من قوانين. والجميع يعلم أن مرشحي الحكومة سقطوا دائما في أي انتخابات حرة لم تزور، بدءاً بانتخابات نقابة المحامين وانتهاء بانتخابات نقابة الصحفيين، مرورا بانتخابات الأندية الرياضية.


ولكي يدرك القارئ الكريم إلي أي حد يمكن أن تتغير بنية النظام السياسي كله إذا ما جرت انتخابات حرة وديمقراطية علي أي مستوي من المستويات يكفي أن نذكره بأن انتخابات المجالس المحلية القادمة يمكن أن تفتح الباب، إذا ما جرت تحت الإشراف الكامل لقضاء مستقل، أمام مرشح غير حكومي لانتخابات الرئاسة القادمة، وأنه إذا حل مجلس الشعب لأي سبب كان، وجرت انتخابات تشريعية يسيطر عليها قضاء مستقل فلن يكون هناك مجلس شعب يجري تعديلات دستورية بنفس الطريقة التي تم بها تعديل المادة ٧٦.


تستحق معركة استقلال القضاء أن تتحرك كل قطاعات المجتمع المدني للوقوف خلف نادي القضاة حتي لو تطلب الأمر تنظيم مظاهرة مليونية أو العودة لإضراب عام أو حتي إلي عصيان مدني. استقلال القضاء هو المعركة الوحيدة الباقية لإنقاذ النظام من نفسه عن طريق تغييره بالوسائل السلمية. فهل يكسب الشعب هذه المعركة؟

 


الاسم :
البريد الالكتروني :
موضوع التعليق :
التعليق :


.

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة المصرى اليوم  
و يحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مؤسسة  المصرى اليوم 

أتصل بنا

 | 

اتفاقية الاستخدام

 | 

الرئيسية

Site developed, hosted, and maintained by Gazayerli Group Egypt