«بإحساس مرهف أضيفي رشة من القرفة وأخري من الفانيليا، كل رشة بيد، افركي يديك سويا ومرريهما باستغراق علي رقبتك، الرقبة مكان مهم للحصول علي أرز باللبن ناجح، استمري في التقليب لمدة ربع ساعة علي نار هادئة جدا حتي يطري الأرز، اقتربي من الإناء واهمسي بسر ما، اختاري السر جيدا..».
بهذه الطريقة لا تصنع رحاب بسام فقط الأرز باللبن، ولكنها تصنع قصصا وحكايات تخلط فيها بهدوء وبطء التفاصيل اليومية العادية (التي فقدت معناها لدي الكثيرين) مع عالم الأسرار، العالم الداخلي للبشر الذي تم دفعه إلي الوراء وتجاهله أو نسيانه في خضم حياة مادية تستهلك الروح وتأكل طبقاتها كالصدأ.
منحتني مجموعة رحاب بسام القصصية الأولي «أرز باللبن لشخصين» سعادة حقيقية أبحث عنها دوما عند إمساكي بكتاب جديد. وبداية أشعر برغبة في تحذير صغير لمن يتناول هذه المجموعة فيضعها ضمن إطار «المدونات» التي تم نشرها عن دار الشروق.
وهو منزلق سهل، حيث نشرت دار الشروق ثلاث مجموعات قصصية لثلاث نساء مع بدايات هذا العام، وهو في حد ذاته أمر يغري بالتصنيف والتعامل مع الكتب الثلاثة بمنطق جماعي، لكن لكل منهن طريقا في الكتابة، وأسلوبا وعالما وتجربة حياتية ومعرفية مختلفة.
تبدو رحاب بسام في هذه المجموعة الأولي متمكنة تماما من عالمها القصصي. تحكي ببساطة شديدة كأنها تحدث قارئا تعرفه جيدا، وفي هذا الأمر لابد أن كتابة المدونات قد كسرت حاجزا وهميا يضع الكاتب في موقع متعال عن قارئ محتمل. تأتي قصص رحاب مشبعة بتفاصيلها الصغيرة وشذرات من تاريخها الشخصي (أماكن وأشخاص وأحداث طفولة).
لا تحاول رحاب الاقتراب من لعبة الإيهام فتذكر اسم بطلتها «رحاب» وتذكر في سياق قصة «طق حنك» أنها نسيت أن تكتب شيئا في قصة أخري في المجموعة (أنا والضباب وهواك) وتفكر بصوت عال في جدوي إضافة بعض سطور للقصة.
وتظل قصص رحاب تلعب بين مستويين للحكي. فهناك قصة «التفاصيل اليومية» (مثلا «عناوين الصحف»)، حيث تتبع البطلة عناوين الجرائد الملقاة علي عتبات الشقق المجاورة، وفي التجاور بين النسخ المتناقضة لحدث واحد تتجلي أطياف الاختلاف في مجتمعنا.
وهناك قصة «الحالة»، حيث ترتفع لغة رحاب عن اليومي لتأخذ القارئ إلي عالم يقترب من الاستعارة الشفافة مثلما نجد في قصة «المرجيحة»، حيث تستعرض البطلة فلسفتها في الحياة: «لأنها تخاف المرتفعات، لم تثق أبدا في قمة السعادة.. ولا قمة التعاسة.
تجلس دائما علي المرجيحة المعلقة بين القمتين. فكل سعادة تحمل نذر تعاستها، وكل تعاسة تحمل بشائر سعادتها». وتبرع رحاب في القصص التي تتأرجح بين العالمين: عالم التفاصيل الصغيرة وعالم الحالة، فتقودك بهدوء وخبث قصصي جميل من العالم العادي ذي التفاصيل المكرورة إلي مستوي آخر للوجود حيث نقابل الفقد والحزن والبهجة والحلم.
يحدث هذا التمازج بين العادي والروحي في الكثير من القصص، منها «أرز باللبن لشخصين» و«أعماق أعماقي». في القصة الأخيرة تستعرض رحاب محتويات حقيبتها، ومن خلال تجاور تفاصيل الأشياء ترسم بورتريه لامرأة عاشقة للحياة ومتمسكة بطفولتها بمنتهي الوعي. وموتيفة «الطفل بالداخل» تتكرر في قصص عديدة، بل إن رحاب تختتم بها قصص المجموعة مع «أنا.. بس علي أكبر».
وقد اختارت رحاب لغة تخصها، لغة فصحي تلعب علي مستويات العادي والروحي ببساطة، لغة تتقافز بطفولة جميلة لا تخلو من حنكة بين الفصحي والعامية الموحية.
ترسم قصص المجموعة الواحدة والثلاثون ملامح بورتريه لامرأة مفعمة بالحياة ممتلئة بالتفاصيل الصغيرة التي تشكل في النهاية عالما ثريا يقبل الحزن ويتحدي القبح ويحاول اصطياد الجمال في الأشياء. شكرا لرحاب علي دفقة الإنسانية الممتعة المغزولة برهافة، والتي منحتني إياها في «أرز باللبن لشخصين».