يا سلام علي المواطنة وحلاوتها.. حلم جميل عشته طوال الشهور الماضية، رأيت فيه نخبة المثقفين ورجال وسيدات المجتمع المدني يأخذونني من يدي، ويطوفون بي داخل دهاليز الحلم الوردي الذي يعود بالوطن إلي سابق سماحته وحلاوته وجماله، حيث الحاكمية للقانون، وحيث الجميع في خدمة سيادته، وحيث أحكام القضاء ينصاع لها الجميع.
وكنت أعتقد أن أهل التنوير، أعداء الظلامية والطالبانية، الذين يموتون صبابة في مدنية المجتمع، ويرتعدون من إنزال أحكام السماء من عليائها إلي الأرض بعد خلطها بأهواء البشر بحيث تصبح تلك الأهواء هي حكم الله!.. كنت أعتقد أنهم رسل المحبة الذين يسعون في الأرض «يبشرون» بالمواطنة، ويناهضون أي مواد في الدستور تتحدث عن الأديان كمصدر للتشريع، ويطالبون بالحفاظ علي حقوق الأقلية من خلال الدستور والقانون، وبعيداً عن أحكام السماء التي يسهل تأويلها سياسياً فتضيع معها حقوق شركاء لنا في الوطن.
وكنت طوال فترة الحلم الجميل أستمتع بالكتابات التي ذكرتنا بمصر الحلوة بتاعة زمان، التي نراها في تسجيلات حفلات أم كلثوم، حيث كانت جداتنا وأمهاتنا في غاية الأناقة يرتدين التاييرات والفساتين عارية الأكتاف وهن حاسرات الرأس، دون أن يقلل هذا من احترامهن، في فترة كانت فيها أخلاق النساء أفضل مما هي عليه الآن مائة مرة.
وكان مما زاد سعادتي وأشعرني أننا علي أعتاب مرحلة جديدة انطلاق الحملة القوية ضد الفنانة حنان ترك، التي افتتحت محل كوافير به كوفي شوب، وقررت أن المسموح لهن بالدخول هن المحتشمات ذوات غطاء الرأس. وقد عني هذا حرمان جانب من فتيات الوطن من الدخول عند حنان، وهذا يمثل بالتأكيد خروجاً علي المواطنة التي تمنح الجميع حقوقاً متساوية في دخول الأماكن العامة.
ولكن حدثين مهمين وقعا الأسبوع الماضي جعلاني أفيق من الحلم، وأبدأ في النظر للأمر بعين مختلفة. الحدث الأول هو حكم المحكمة الذي سمح للمسيحيين بالحق في الزواج مرة ثانية، ومعارضة البابا شنودة للحكم، وإعلانه علي الملأ أنه لن يقوم بتنفيذ حكم المحكمة وأنه ملزم فقط بأحكام السماء!! علامات التعجب سببها أننا كنا نعتقد أن حقوق المسيحيين مثلها مثل حقوق المسلمين والهندوس والمجوس وعبدة الشيطان يحميها القانون، ويكفلها الانصياع لأحكام القضاء وليس تحديها ومناهضتها علي الملأ. وانتظرت من المثقفين أن يوضحوا للبابا أن الأمر في غاية الخطورة وأنه يضرب ما ينادون به في مقتل.
الحدث الثاني الذي صدمني بشدة هو الفضيحة البغيضة التي وقعت أحداثها الأسبوع الماضي في أحد المطاعم الشهيرة علي كورنيش النيل، عندما أقدم متردوتيل، علي طرد «ولاء» وهي تجلس وسط صديقاتها بينما كن يحتفلن بعيد ميلادها.. قام الجرسون باستدعاء ولاء وإعلامها أن وجودها بالمطعم غير مرغوب فيه بسبب ملابسها.
تلفتت ولاء حول نفسها في خجل لتري إن كان ثمة ما يعيب مظهرها..هي معروفة منذ الصغر بالأناقة والذوق والحشمة، لكنها خشيت أن يكون قد حدث قطع بردائها لم تره ترتب عليه انكشاف ما لا يصح كشفه. لكن المفاجأة المفجعة تمثلت في أن الاحتشام كان هو المشكلة، وأن سياسة المطعم هي عدم استقبال من ترتدي زياً محتشماً. لم تصدق ولاء ما حدث وطلبت استدعاء المدير فأتي بدوره منتفخ الأوداج وهو يعلن أن هذه هي سياسة صاحب المطعم، ومن لا يعجبه فليشرب من البحر. سألته ولاء وهي تكاد تنفجر من الإحساس بالقهر: ولماذا لا تضعون لافتة بالخارج توضح سياستكم حتي لا تعرضوا النساء المحترمات لهذا الموقف؟!.
فأخبرها المدير بأنهم لا يستطيعون أن يضعوا لافتة تحمل تمييزاً صارخاً كهذا. يستطيعون إذن أن يمارسوا التمييز والعنصرية لكن دون وضع لافتة!. والآن لا تعرف ولاء لمن تتقدم بشكواها ضد المطعم الشهير الذي يقع علي أرض مصر ويمارس الطائفية في حق ٩٠ في المائة علي الأقل من نساء وفتيات مصر. والسؤال الآن هل يستطيع جرسونات المطعم ومديره أن يمارسوا ما فعلوه مع ولاء بحق زبائن من عرب الخليج؟. أعتقد أن أي خليجية تستطيع أن تطعمهم حذاءها إذا فكر غضنفر منهم أن يعلن عليها سياسة ولي النعم صاحب المطعم،.
والسؤال أيضاً هو هل يمكن أن نسمع أصوات الكتاب الذين هاجموا حنان ترك وفتحوا عليها نيرانهم واتهموها بأنها تسعي لحرق الوطن بنار الطائفية؟ هل نقرأ لهم إدانة صريحة للسلوك العنصري للمطعم وسياسته التي تضرب المواطنة في مقتل..أم تراهم سيخرسون ويبتلعون ألسنتهم الطويلة عندما يتعلق الأمر بفتاة مصرية منفتحة ومثقفة وذكية، لكنها اختارت بإرادتها الحرة ألا ترتدي ملابس الزمن الجميل الذي يحنّون إليه؟!