علمتنا الأيام أن مشروعات القوانين التي يرجي منها صلاح تطرح للمناقشة علي نطاق واسع ليعلق عليها الخبراء والمهتمون، وليبدي الرأي فيها المخاطبون بأحكامها، كل ذلك قبل أن تقدم للبرلمان لمناقشتها وإقرارها، أما مشروعات القوانين سيئة السمعة فتعد بليل وتناقش في عجلة وتصدر فجأة ثم تتبين عيوبها من بعد،
ولقد أعد نادي القضاة في عام ١٩٩٠ مشروعاً لتعديل قانون السلطة القضائية ونوقش علانية في النادي وفي المحاكم حتي أقرته جمعية عمومية بالنادي عام ١٩٩١، فأشاحت الحكومة بوجهها عنه، وسكت مجلس إدارة النادي عن المطالبة به قرابة اثنتي عشرة سنة، إلي أن جاء عام تغير فيه المجلس تغييراً كاملاً وتبني رغبة القضاة في إحياء المشروع فعكفت لجنة علي تحديثه، ونشر علي أوسع نطاق، وحظي بموافقة تشبه الإجماع عليه في جمعيات عامة متعاقبة، وهذا شأن من ينشر صفحته ويقول: هاؤم اقرأوا كتابيه، ثم أرسلت الحكومة المشروع إلي مجلس القضاء الأعلي ليبدي فيه الرأي،
فغاب عنده ما غاب إلي أن سمعنا مؤخراً بأن المجلس الموقر قد انتهي من إعداد رأيه في المشروع وأودعه صحفاً مطوية سلمت إلي معالي وزير العدل، يداً بيد، دون أن يطلع عليها أحد، حتي إن أعضاء الأمانة العامة للمجلس قرروا أنهم لم يطلعوا علي المشروع!!
ولقد أفضي التكتم المتعمد لرأي مجلس القضاء الأعلي في مشروع تعديل قانون السلطة القضائية إلي سريان الريب والظنون بين القضاة ورجال القانون وكل الحريصين علي استقلال القضاء، ثم تسربت إلي القضاة ـ ولابد أن تتسرب ـ معالم رأي المجلس الموقر في المشروع فأقلقتهم قلقاً بلغ حد الغضب.
أولا: عضوية المجلس:
فقد تناقل الزملاء عن أعضاء في مجلس القضاء الأعلي أن المجلس يري أن يظل مؤلفاً من أعضاء بحكم وظائفهم التي وصلوا إليها بالأقدمية المطلقة ولا يضم أعضاء منتخبين، زعما بأن الأقدمية قاعدة قضائية راسخة مرعية وبأنها عاصم من الشطط ومن الانقسام الناشئ عن الانتخاب.
١- أما الشطط فلا يوصف به أصغر القضاة سناً، وإلا فقد صلاحيته للقضاء، ذلك بأن عمل القاضي وخبزه اليومي ـ وفي كل قضية ـ أن يختار بين الحق والباطل، وأن يميز بين الصادق من الأدلة فيعول عليه، وبين الكاذب منها فيطرحه، ولن يتحقق له شيء من ذلك إلا بالأناة، أفتكون الأناة ديدنه ثم يخشي منه الشطط؟!.. لن أزيد في هذا الأمر حتي لا يجمح بي القول إلي ما لا أرضي ولا ترضون من القول.
٢- وأما الانقسام فحادث بفعل تدخل السلطة التنفيذية في شؤون القضاة ومحاولاتها المستمرة لتفريق صفوفهم وتقسيمهم بين مشايعين لها وغير مشايعين، دل علي ذلك مسلكها ومسلك التنظيم السياسي الذي يسيطر عليها منذ السنوات التي مهدت لمذبحة القضاء، وما رصده القضاة عبر السنون من محاولاتهم المستمرة للتدخل ـ بالطرق غير المشروعة ـ في انتخابات نادي القضاة.
ثم إن الانقسام عرض غريب عن دنيا القضاة الذين اعتادوا في دوائرهم ومداولاتهم بصفة عامة أن تختلف وجهات نظرهم دون أن يؤدي ذلك إلي انقسام بينهم ولا تشيع، وأن يظلوا إخوة متحابين، غير أنه يحلو للسلطة التنفيذية ولأعوانها أن يصفوا المخالفين لها أو لهم في الرأي بأنهم «قلة مارقة تحركهم دوافع مشبوهة».
٣- وأما رسوخ قاعدة الأقدمية، فخرافة يتنزه عنها الفكر العلمي، ذلك بأن الأصل في جميع المجالات أن المناصب المهمة تولي للأكفأ، ولاختيار الأكفأ عدة طرق ليست من بينها الأقدمية، ولا يلجأ إلي الأقدمية إلا باعتبارها وسيلة للترجيح بين متساوين في الكفاية، وفي القضاء تتم الترقية بالأقدمية عند تساوي الأهلية والصلاحية.
ثم إن قاعدة الأقدمية لا يعمل بها في القضاء المصري عند شغل أخطر الوظائف.
فالنائب العام لا يختار بالأقدمية بل لا يختار من بين أقدم القضاة، فالقانون الحالي يتيح تعيينه من بين نواب رؤساء محاكم الاستئناف ومستشاري محكمة النقض والمحامين العامين الأول، ولو كان ذلك في وجود نائب عام مساعد أو أكثر ممن هم في درجة رئيس استئناف كما أن رؤساء المحاكم الابتدائية يختارون من بين قضاة محاكم الاستئناف دون تقيد بالدرجة أو الأقدمية، بل إن القانون القائم لا يقيد رئيس الدولة عند اختيار رئيس محكمة النقض الذي هو رئيس مجلس القضاء الأعلي بقاعدة الأقدمية، بل له أن يختاره من بين نواب الرئيس الذين يربو عددهم علي المائتين والثمانين ويفصل بين أحدثهم وأقدمهم في العمل واحد وعشرون عاما!!
وفي المحاكم المختلطة التي أنشئت في الربع الأخير من القرن قبل الماضي واستمرت ثلاثة أرباع قرن، وتركت لنا وللعالم تراثا رائعاً من المبادئ القانونية ومازالت أحكامها زادا لكتاب الفقه القانوني في مصر وعدد من الدول المتحضرة في تلك المحاكم كانت الجمعية العامة لمحكمة الاستئناف تنتخب الرئيس في بداية كل سنة كما تختار رئيساً لكل من المحاكم الابتدائية، ولم يكن للأقدمية دور في هذا الاختيار أو ذاك ولا في اختيار رؤساء الدوائر غير أن الحكومة الخديوية في ذلك الزمان رأت ألا تعطي هذا الحق للجمعيات العامة للمحاكم الأهلية بحجة أن قضاتها لم يكتمل نضجهم!! فهل كانت حجتها صحيحة؟! وهل مازالت حجتها تلك قائمة؟!
لن ينسي التاريخ القضائي أن الأعوام التي كان مجلس القضاء الأعلي فيها يضم أعضاء تختارهم الجمعية العامة لكل من محكمة النقض ومحكمة استئناف القاهرة شهدت تمثيلاً صادقاً رائعاً لوجهة نظر القضاة، وكان وجود العنصر المنتخب ضمانة حقيقية لاستقلال القضاء، ولم يشهد القضاء في تلك الأيام انقساما، ولم يكن حال مجلسنا الأعلي بأفضل مما كان عليه في تلك الفترة التي امتدت من صدور قانون استقلال القضاء عام ١٩٤٣ حتي بداية سنوات الضيق بهذا الاستقلال والعدوان عليه في سنة ١٩٥٢ عندما تولي الحكم مجلس قيادة الثورة بتشكيله العسكري، فعدل القانون واستبعد العنصر المنتخب من مجلس القضاء الأعلي، اتساقاً مع الفكر العسكري الذي يؤمن بالأقدمية قاعدة ضرورية لمقتضيات الانضباط الذي يحتاجه تنظيم الجيوش وإدارة العمليات العسكرية.
أما الفكر القضائي فتحكمه قواعد أخري مرعية وراسخة في مصر والعالم المتحضر: منها أن القضاة ـ عند المداولة ـ نظراء متساوون مهما اختلفت أعمارهم ومواقعهم، ومنها أن الجمعية العامة للمحكمة ـ أي محكمة ـ هي المهيمن علي كل شؤونها وأنه ليس للرئيس من اختصاص في تلك الشؤون إلا ما تفوضه فيه الجمعية العامة، ومنها أن القاضي الجزئي ـ ابن الثلاثين ربيعاً ـ يحكم في القضايا الداخلة في اختصاصه الانتهائي بغير معقب عليه ولا يملك شيوخ القضاة في محاكم الاستئناف أو النقض أن يمسوا حرفاً واحداً من حكمه، وأن محاكم الاستئناف والنقض ليست جهة رئاسية للمحاكم الابتدائية وليست لها علي أحكامها رقابة تمارسها من تلقاء ذاتها،
وإنما هي تراقب من الأحكام ما يستدعيها الخصوم لمراجعته وفقاً لإجراءات محددة لا مرونة فيها، والعبارات التي تصف بها الأحكام الناقضة الأحكام المنقوضة مثل «الخطأ والبطلان والقصور» لا تحمل معانيها في المعاجم وإنما هي مصطلحات قانونية تعبر عن وجه الخلاف في الرأي بين المحكمة الابتدائية وبين محكمة الطعن.
ثانياً: سن التقاعد
وتسامع الزملاء أن مجلسنا الأعلي يري أن ترفع سن تقاعد القضاة إلي اثنين وسبعين عاماً، ولست أدري لم هذه السن بالذات؟.. هل لها أساس من علم الطب؟ أم من علم النفس؟ أم هي منقولة عن قانون مقارن في بلاد يقتدي بها ونعرف ظروفها ودوافعها لتحديد هذه السن؟
والغريب أن مشروع النادي يتضمن جواز مد الخدمة ـ وليس رفع السن ـ بعد الستين لمن يرغب في ذلك ويقدر عليه، علي أن يجلس في الدوائر بالمحكمة التي يختارها، دون أن يتولي منصباً إدارياً، ولا يجوز ندبه أو إعارته، وفي هذه الحالة يحصل ـ فضلاً عن راتبه ـ علي مستحقاته التقاعدية جميعها لدي الدولة ولدي الصناديق الخاصة، وهذا أفضل بكثير لجموع القضاة من رفع السن، ولا يضار منه إلا قلة تتشبث بمنصب تشغله أو تأمل في الوصول إليه.
غير أن الأهم في هذا الأمر أن رأي المجلس تجاهل تماماً رأي جماهير القضاة! ذلك بأن نادي القضاة طرح علي جمعيته العامة التي عقدت يوم ١٦/١٢/٢٠٠٦ سؤالاً حول رفع سن التقاعد عما هي عليه الآن، وأجاب عنه الحاضرون باقتراع سري: فوافق علي الرفع ٥٢٢ عضواً، ورفضه ٣٧٠٦ من الأعضاء!!! وهي أغلبية كاسحة يستحيل تجاهلها، كما يستحيل وصفها بأنها قلة مارقة تحركها دوافع مشبوهة.
ثالثاً: نادي القضاة
وقد شاع وتواتر إلي درجة تبلغ حد التأكيد أن رأي المجلس الأعلي تضمن نصوصاً تضع نادي القضاة تحت إشراف ورقابة مجلس القضاء الأعلي، وهي خطيئة لم يقدر عليها الوزير الأشهر محمد أبو نصير وأعوانه من أعضاء التنظيم الطليعي «الجهاز السري» ولا يمكن قبولها، ولا يمكن قبول أي نصوص تخضع النادي لرقابة أو إشراف أي جهة كانت غير رقابته الذاتية ممثلة في جمعيته العامة ذلك بأن نادي القضاة نشأ للمطالبة باستقلال القضاء، وأفلحت جهوده بعد أربعة أعوام في استصدار قانون استقلال القضاء «٦٦ لسنة ١٩٤٣»، وباءت بالفشل محاولات السيطرة عليه، وقضي بانعدام قرارات مذبحة القضاة، واسترد النادي استقلاله، وطرد مندوبو الشؤون الاجتماعية.
ثم إن الإعلانات الدولية التي شاركت مصر في إصدارها وصدقت عليها، تؤكد حق القضاة في أن يكون لهم تنظيم يرعي مصالحهم ويعبرون من خلاله عن آرائهم، هذا التنظيم يسمي في بعض الدول «نقابة» وفي بعضها الآخر «اتحاداً» أو «ودادية»، وفي مصر هو نادي القضاة وليس لدينا من تنظيم غيره، وإذا كان نادي القضاة يؤدي لأعضائه خدمات اجتماعية ومادية فتلك أمور خادمة لهدفه الأصلي وهو الدفاع عن استقلال القضاء.
فإذا استدعينا التاريخ، فإن نادي القضاة هو الذي استعاد في عام ١٩٨٤ مجلس القضاء الأعلي الذي كان ألغي في المذبحة، وكان النادي في ذلك الوقت بقيادة شيوخنا أحمد جنينة ووجدي عبدالصمد وفريد فهمي ويحيي الرفاعي وزملائهم، ولم يكن أي من هؤلاء ـ في ذلك الوقت ـ رئيساً لأي محكمة ولا عضواً في مجلس الهيئات القضائية، ولقد أقر بهذه الجهود وأشاد بها سعادة الرئيس الجليل المستشار عادل نور أول رئيس لمجلس القضاء الأعلي بعد عودته وذلك في خطابه الافتتاحي للجمعية العامة للنادي.
وفوق ذلك فالنادي ليس في حاجة إلي رقابة من خارجه وتكفيه الرقابة الذاتية: ألم تر أن الجمعية العامة للنادي هي التي تختار مجلس الإدارة وتحاسبه وتسقطه وتراقب موازنته وأنشطته، تلك الجمعية مؤلفة من كل قضاة مصر بمن فيهم رئيس وأعضاء مجلس القضاء الأعلي، ويرأسها رئيس مجلس القضاء الأعلي، وحسبك بهؤلاء رقيبا.
أما بعد.. فهذا دلوي في مداولتنا فيما تسامعنا به من أنباء مزعجة تساهم بنصيب وافر في تأجيج ما في صدور القضاة من غضب، غير أنني سمعت ـ بعد كتابة هذه السطور ـ بأمور أخري تضمنها الرأي المتكتم عليه لمجلسنا الأعلي لو صحت لكنا أمام كارثة محققة تحرم البلاد والعباد من قضاء مستقل، وتستبدل بوزير العدل نظاماً للسيطرة الكاملة علي القضاء والقضاة، ولاتسع الخرق علي الراتق.
ومن ثم فإنني أدعو إخواني القضاة جميعاً للوقوف صفاً واحداً خلف مجلس إدارة نادينا ومشروع التعديل الذي أعده كاملاً غير منقوص.
وأدعوهم جميعاً لأن يرفضوا ـ جملة وتفصيلاً ـ أي مشروع للتعديل لم يطلعوا عليه أو حرموا من إبداء الرأي فيه، فإذا بدت لهم صفحته، فليقولوا فيه قول الحق لا تأخذهم رغبة ولا رهبة.
وأطالب أعضاء مجلسي البرلمان، والنقابات وسائر المنظمات المعنية بشؤون الوطن وحقوق الإنسان، بأن يقفوا خلف قضاتهم مؤيدين، وليعلم الجميع أن القضاء المستقل هو الضمان الوحيد والأكيد لحقوق كل من علي أرض هذا الوطن.